280 × 90

الحلقة السادسة من مسلسل ( بلاااا… وكسة )

25

للأديبة/ سالمة المغربي

كعادتي مساء كل يوم أطوف بشقتي قبل النوم مباشرة ، لكي أغلق الأبواب و النوافذ و أي ضوء كهربي و خلافه . مررت بجوار غرفة ابني ( علاء الدين) هو الولد الوحيد وله ثلاث أخوات أصغر منه ، سمعته يتحدث إلى شخص أخر ، و صوته يعلو مرة و ينخفض أخرى ، قلت في نفسي :
– مش من عادة الواد أنه يتكلم بالليل كده في التليفون ، الواد ده حاله مش عاجبني .. من يوم ما خلص الجيش و صحته في النازل .. كنت فرحانة لما كان بيتفق مع صحابه و يخرجوا يدوروا على شغل ، إيه اللي عمل فيه كده؟!!!
مشيت بضع خطوات .. سمعته يقول :
أنت مفكر نفسك حاجة؟.. أنت زبالة .. والله الزبالة في بلاد بره بيحترموها و بيخصصوا لكل نوع منها في علبة و بيعاد تصنيعها ، بيستفيدوا من الزبالة .. ده أنت حتى ما حصلتش الزبالة .. يا ابن (…).

يا الله .. أخر شيئ أتوقعه أن علاء يسب أحد ، أكملت مسيرتي .،دخلت غرفتي ، الأمر ليس بهين .. تجمعت كل المشاهد و المواقف التي مرت ب علاء خلال الخمسة أشهر منذ انتهاء الخدمة العسكرية ، و تسلسلت أمام عيني و منعت النوم عني ، رأيته يصحو من نومه مبكراً نشيطاً كأنه مازال في الجامعة أو الخدمة ، يتزين و يتعطر ، يحمل المحمول في جيبه ، يلبس نظارته الشمسية .. يودعني بالقبلات.
– رايح على فين يا علاء و أنت عامل زي العريس لابس و متشيك كده ؟
يرد علي منتشيا بجملة عريس قائلاً:
أيوه يا أم العريس .. رايح أدور على شغل .. اللي هيجيب العروسة ..أمال هأتجوز ببلاش ؟.. و هأكلها منين ؟
دعوت له و انصرف ، هذا المشهد يتكرر لأكثر من شهرين .. و تغيرت الحالة ، تأخر في نومه على غير عادته .. طرقت عليه باب غرفته .. و دخلت:
– اصحى يا كسلان .. خلاص نسيت الجيش و نظامه؟ قوم يلا ..أخواتك صحيوا قبلك ، تهاني راحت الجامعة و أماني و أمال راحوا المدرسة .. قووووم يا بكري و كسلان.

فرك عينيه وسألني عن الساعة .. و تحرك بكسل إلى الحمام ، و قمت بإحضار الفطور له ، وجلست بجواره و سألته:
– إيه يابني .. أنت متغير ليه كده؟ مش ملاحظ أنك مصلتش الصبح و قعدت تفطر على طول؟.. نسيت و لا؟

أسقط اللقمة من فيه .. و ذهب إلى الحمام ليتوضأ و صلى .. و رجع إلي
والله نسيت يا ماما .. ربنا يسامحني.
– قولي بقه برنامجك ايه النهارده ؟ يا عريس ( هههههه).
عريس تاني ؟.. مش ناوية تنسي الكلمة دي يا ماما؟ أنا لسه عندي 23 سنة ، لسه بدري .
– بدري من عمرك يا غالي ، أنت بس شاور كده على أجمل و أحسن بنت في البلد .. و هي و أهلها يترموا تحت رجليك..أنت علاء الدين .. زين شباب الحتة.

ترك كل السفرة و قام إلى النافذة و فتحها قائلاً
:
و النبي لتيجي كده وريني فين الشباب دول اللي أنا زينتهم ؟!! .. قصدك أحمد .. جاري اللي أكبر مني بسنتين و سافر يشتغل في الخليج في شغلة مش تخصصه و لحد دلوقتي مخطبش و لا عارف ينزل علشان كفيله مزنق عليه؟.. ولا قصدك ماهر اللي راح أوروبا و حلف ما يجي هنا تاني .. و كل كم يوم أمه تمليني له جواب علشان أبعته له و هو مش بيرد .. لحد ما عرفنا أنه مات ، و لا شادي الواد اللي كنا بنقول عليه واد فرفور و اسمه لايق عليه .. أنتي نسيتي أنه انتحر؟! ولا سيد .. الواد المجدع بتاع حارتنا اللي في السجن بسبب أنه ضرب واد من إياهم اللي متنعم في خير أبوه و دولة أبوه ..لما عاكس بنت الجيران ، ولا حمدي و شريف و كريم .. اللي كل يوم قاعدين في غرزة للصبح ، ولا جمال إللي فاتح ( سايبر ) .. بيلم العيال الصغيرة فيه علشان يستنزف جيوب أهاليهم في ألعاب عبيطة و خايبة و هتدمر مخهم في الكمبيوتر.. و ياريت كده و بس .. ريحة السجاير تعمي اللي يمشي جنب السايبر .. الكل بيدخن سلبي و إيجابي ، و أخر الليل يقعد مع شوية عطلنجية و يقفلوا على نفسهم المحل و يتفرجوا على أفلام.. استغفر الله العظيم .. أسكتي بقه يا حاجة ..أنتي في البيت .. و تعرفيش بيجرى إيه بره كمان.

الحقيقة .. رأسي دارت .. علاء لم يكذب في حرف واحد .. و يظن أني لا أعلم بما يدور في الشارع .. أنا أعلم و لكن حدوث الأمور بالتدريج يجعلنا لا نفكر فيها .. حتى أعادها علي علاء بجرعة مركزة قوية .. و شاهدت الشارع فارغا ، لم أجد أولاد حارتنا لا كبار و لا صغار .. وقع بصري على طفل متشرد يحمل كيساً بلاستيكياً أكبر من حجمه به علب مناديل .. و يرفعه له من الخلف طفل أكبر منه نسبيا ( من ذوي الإحتياجات الخاصة ) وطفلة في سن الخامسة تقريباً تمسك في يدها فوطة صفراء .. و إمرأة تحمل كرتونة ممزقة و تضعها على أول الطريق و تجلس عليها و تغطي وجهها بطرحة سوداء شفافة و تسأل الناس ( شحاذة) .. همس علاء في أذني :

أنتي عارفة الشحاتة دي مين يا ماما؟
لم أنظر إليه .. بل أمعنت النظر أكثر فأكثر .. و سألته:
– مش عارفة ..بس ملامحها مش غريبة عليا .. تطلع مين؟
متغلبيش نفسك .. دي نادية بنت البواب إللي كان بيشتغل في العمارة إللي هناك دي .. و كانت بتيجي تمسح سلمنا و سلم الجيران علشان تساعد أبوها و أخوتها .. و متجوزتش لحد ما عنست أهو .
– طيب .. بطلت شغل ليه؟
علشان أنتي و غيرك حالتكم اتغيرت .. بقيتوا تقريباً زيها .. فقرا.. و بتكنسوا سلمكم بإيدكم .. حتى الزبالة بتخلوا ولادكم يرحوا يرموها ، هي بإيدها إيه غير أنها تشحت ؟!!
رجعت إلى الكرسي بجوار النافذة .. أحسست بأني سأفقد الوعي إذا أكمل علاء حديثه .. كانت جرعة مسممة حقاً .. أردت تغيير الموضوع قلت:
– البنت ( سما ) بقت عروسة ، سمعت من أمها أن عريس اتقدم لها ، واد متريش بيشتغل في الإمارات .. عقبال أخواتك ..ياااارب.
لها .. اتوكلي على الله .. دي فرصة متتعوضتش .. انا سمعت الموضوع من عم زكي صاحب السنترال إللي جنبنا .. و قالي أنه مهندس عنده أربعين سنة ، و هياخدها و مش هترجع هنا تاني .. الله يسهل لها.
– بس دي يابني عندها تسعتاشر 19 سنة ، لسه طفلة.
خلاص ..خليها تشحت جنب أمها و أخواتها زي نادية .. ولا تعنس .. ماهو الموضوع بقى عادي في بلدنا.
– طيب يلا روح دور على شغل .. و هدعي ليك .
ههههههه … والله لو دعيتي للصبح .. مش هلاقي .. خلاااااص بح.
– يا بني أنا لسه شايفة إمبارح في التليفزيون الوزير … ( فلان ) بيقول أن فيه آلاف الوظايف بس الشباب مش عايز يشتغل ، ووزير تاني ( علان ) بيقول هيوزع شقق ، و تالت بيقول…
قاطعني بغضب :
بيقووووول… بيقول يا حاجة .. مس بيعمل .. مش بيوظف .. مش بيبني و يوزع بما يرضي الله … بلد للكلام و الطبل و بس.
– أخرتها معاك يا بني .. ناوي على إيه؟!!
على هجرة .. و متزعليش علشان مفيش معايا فلوس .. هتبقى هجرة غير شرعية .
كدت أصعق من كلامه .. أمسكت في قميصه أبكي و أصيح :
-يااااربي .. ده ابني الوحيد .. سند البنات بعدي .. هيروح مني في شربة مية..يارب أحميه و صبره و صبرني .. و دلنا على الخير.
دلوقتي ممكن أقولك ان دعوتك هتستجيب .
– إزاي قول .. بسرعة.
أننا نعمل وزراة جديدة ..و نعين فيها الشباب .
– يا سلام .. هتجيب لها اسم منين دي كمان .. كل الأسامي خلصت؟
بسيطة .. نسميها وزارة العواطلية .. أه و الله للبطالة يمكن فيها بجد يشوفوا مشاكلنا و يعينوا إللي زيي.
رفعت راسي لربي .. ومصممصت شفايفي و قلت:
– وزارة البطالة .. حتعين العواطلية .. بالذمة ده كلام ؟!!
كده على رأي المثل … يا مستني السمنة .. من النملة …… والنبي بلااااااا وكسة.
إلى اللقاء في حلقة جديدة بإذن الله ..مع تحيات ( الأديبة / سالمة المغربي )

تعليقات الفيس بوك