280 × 90

قصة في صور : أمير شعراء العامية “بيرم التونسي” الذى قال عنه “امير الشعراء أحمد شوقي” ” اخاف علي الفصحي من عاميه بيرم”

115

 

أميرة عبدالرحيم

هو شاعر مصري ذو أصول تونسية ، قال عنه أمير الشعراء أحمد شوقي : ” أخاف على الفصحى من عامية بيرم “

نشأته :
ولد محمود محمد مصطفى بيرم في 4 مارس 1893 ، في حي الأنفوشي بالأسكندرية بشارع البوريني بالسيالة ، و يلتقي بيرم ذات يوم بأحد البنائين الذين يأتون لخاله في نهاية الأسبوع لأخذ أجرتهم ، و تجاذب الحديث معه ، فروي له البناء قصة «السلك و الوابور» و هي محاورة خفيفة الظل بين التلغراف و القطار ، و يعشق بيرم حديث هذا البناء فينتظره كل أسبوع ، ليروي له بعض القصص الشعبية التي يحفظها ، و تتطور تلك الهواية عند بيرم ، إلي حد أنه أصبح لا يكتفي بسماعها و بدأ يقتصد من مصروف يده ليشتري به من مكتبات هذا الحي كتب الأساطير الشعبية مثل «ألف ليلة وليلة» ، «أبوزيد الهلالي» ، «عنترة» ، و «سيف بن ذي يزن» ، و غيرها ، كما أقبل علي شراء دواوين الشعر ، إلي أن وقع في يده مجموعة من أشعار إبن الرومي ففُتن بها و عدها أمتع ما قرأ ، و تعلم منها – كما كان يقول دائمًا – روح الهجاء ..
و يكتمل إرتشاف الطفل من الفن والأدب عندما يسكن في منزلهم أستاذ تركي إسمه محمد طاهر ، و قد رأي في بيرم ميله للشعر فأهداه كتاباً في فن العروض ، و كان هذا الكتاب نقطة تحول في حياته فما كاد يقرأه حتي بدأ محاولاته في عمل بعض الأزجال و الأشعار ..

تعليمه :
التحق بيرم بكُتاب الشيخ جاد الله ، حينما أتم الرابعة من عمره ، و كانت عقدة بيرم أنه بليد في الحساب ، لا يعرف كتابة السبعة من الثمانية ، لذا لم ينج من وطأة الفلقة في يوم من الأيام ، و لا يطيق الطفل قسوة الشيخ جاد عليه ، فيذهب لأبيه ذات يوم ليترجاه أن يرحمه من قسوة الشيخ و لكن الأب لم يأبه ، و أجبره علي الذهاب للكُتاب ، و كانت النتيجة عدم استيعاب الطفل لأي معلومات يقولها الشيخ ، و بالتالي زيادة معاقبته ، و عندئذ لايجد الأب أي فائدة من تعليم الطفل الذي كان يطمع في رؤيته يوما ما فقيهاً في العلم ، فيضطر لإخراجه من الكُتَّاب ، و يجلسه مع أولاد عمه في دكان الحرير الذي يمتلكه ..
و يقول بيرم في مذكراته عن تلك الفترة من حياته أنه لم يستفد من كتُاب سيدنا إلا في الإلمام بمبادئ القراءة و الكتابة فقط ، فلم يكن للشيخ أي دور في تشجيعه علي الثقافة أو النهم للمعرفة أو الاستدامة في القراءة ، و يحاول والد بيرم أن يعود إلي محاولة جديدة لتعليمه ، فيرسله إلي مسجد المرسي أبو العباس ، حيث المعهد الديني ، الذي كان يتردد عليه أغلب أبناء تجار الحي ، و أقبل بيرم علي ما كان يلقي في هذا المعهد من دروس في نهم و شغف ، و لكنه لم يكمل دراسته في هذا المعهد حيث جاء موت أبيه ليوقفه عن دروسه ..

بدايته مع الشعر :
فوجئ بيرم ذات يوم بالمجلس البلدي في الإسكندرية يحجز علي بيته الجديد ، و يطالبه بمبلغ كبير كعوائد عن سنوات لا يعلم عنها شيئًا ، و كأن الدنيا أرادت بهذا الحدث أن تعلن عن مولد فنان ، فقرر بيرم أن يرفع راية العصيان ضد المجلس البلدي بقصيدة يجعله فيها «مسخرة» في أفواه الناس ، و هذه أجزاء من القصيدة تدل علي نبرة السخرية و النقد التي بدأ بها بيرم حياته كشاعر ساخر ، فيقول :
يابائع الفجل بالمليم واحدةً
كم للعيال و كم للمجلس البلدي
كأن أمي بلَّ الله تربتها أوصت
فقالت : أخوك المجلس البلدي
أخشى الزواج فإنْ يوم الزفاف أتى
يبغي عروسي صديقي المجلس البلدي
أو ربما وهب الرحمن لي ولداً
في بطنها يدعيه المجلس البلدي
و نشرت القصيدة كاملة بجريدة «الأهالي» و في الصفحة الأولى ، و كانت أول قصيدة تُنشر لبيرم كما طلب موظفوا المجلس البلدي ترجمتها إلي اللغات الأجنبية ليستطيعوا فهمها ، فقد كانوا جميعاً من الأجانب ..
بدأ بيرم بعد هذه القصيدة يتجه إلى الأدب ، فترك التجارة و اهتم بتأليف الشعر ، و خصوصاً الزجل ، ليقرب أفكاره إلي أذهان الغالبية العظمي من المصريين ، و كانت أزجاله الأولى مليئة بالدعابة و النقد الصريح الذي يستهدف العلاج السريع لعيوب المجتمع ..

بيرم و المنفى :
لقد صدر الأمر بإبعاد بيرم التونسي من مصر ، ونفيه إلى وطن أجداده في تونس يوم 25 أغسطس عام 1920، و كان سبب الإبعاد غضب الملك فؤاد عليه ، بسبب قصيدته «البامية الملوكي و القرع السلطاني»
و التي تقول بعض أبياتها :
البنت ماشية من زمان تتمخطر
و الغفلة زارع في الديوان قرع أخضر
و قيل وقتها أن البنت المقصودة هي الملكة نازلي بالإضافة إلى توصية من زوج الأميرة فوقية ابنة الملك فؤاد حيث هاجمه في مقال تحت عنوان «لعنة الله على المحافظ» حيث كان آنذاك محافظًا للقاهرة ..
و لكن الإدارة التونسية كانت تضعه تحت المراقبة منذ وصوله ، باعتباره مشاغبًا و باعث ثورات فقرر
السفر إلى باريس التي عانى فيها أيضاً و في هذا يقول بيرم :
الأوله مصر قالوا تونسي و نفوني جزاة الخير
و التانية تونس الأهل فيها جحدوني و حتى الغير
و التالتة باريس و ف باريس جهلوني و انا موليير
و عاد بيرم التونسي إلى مصر هاربا و سمحت له السلطات المصرية بالبقاء و كان ذلك في عهد الملك فاروق حيث تلقى عفواً من الملك شخصياً ..

بيرم و أم كلثوم :
تقابلت أم كلثوم ببيرم في نهاية عام 1940 و قدم لها العديد من القصائد التي لحنها زكريا أحمد و منها : أنا في انتظارك ، أهل الهوى ، هو صحيح الهوى غلاب ، الأمل ، حبيبى يسعد أوقاته ، غنيلى شوي شوي ، يا صباح الخير ، الورد جميل ، الأولة في الغرام ، شمس الأصيل ، الحب كده و أخيرا القلب يعشق كل جميل و نجح الثلاثي أم كلثوم و بيرم و زكريا أحمد نجاحاً باهراً ..
كما التقى مع عبد الوهاب في أغنية محلاها عيشة الفلاح ، أما فريد الأطرش فقدم له العديد من الأغاني منها : أحبابنا يا عين ، يالله توكلنا على الله ، بساط الريح ، أكل البلح ، يالله سوا ، هلت ليالي ، مرحب مرحبتين ، الليلة نور هل علينا ..
كما قدم بعض المنولوجات منها :
حاتجن ياريت يا اخوانا مارحتش لندن ولا باريس يأهل المغنى دماغنا وجعنا
ياحلاوة الدنيا ياحلاوه
ياللى تحب الفن و غاوى
و قدم للإذاعة :
سيرة الظاهر بيبرس
أوبريت عزيزة و يونس
و من أشهر ما قدم لسيد درويش : ” أنا المصري كريم العنصرين ، بنيت المجد فوق الإهرامين “

حياته الصحفية :
أصدر جريدة المسلة في 4 مايو سنة 1919
و كانت قائمة على مهاجمة الاستعمار ، و المرأة الجاهلة و التربية الخطأ و المظاهر الكاذبة و الإسراف ..
و في عام 1955 عمل في جريدة أخبار اليوم ثم جريدة الجمهورية ..

وفاته :
في عام 1960 منحه الرئيس الراحل جمال عبد الناصر جائزة الدولة التقديرية ، و حصل بعدها على الجنسية المصرية ..
توفي بيرم التونسي في 5 يناير عام 1961، بعد صراع مع مرض الربو ..

و هو القائل قبل وفاته بأيام قليلة :
قال : إيه مراد إبن آدم ؟
قلت له : طقه
قال : إيه يكفي منامه ؟
قلت له : شقة
قال : إيه يعجل بموته ؟
قلت له : زقه
قال : حد فيها مخلد ؟
قلت له : لأه

تعليقات الفيس بوك