280 × 90

قصة في صورة: الشيخ محمد مصطفى المراغي وموقفه مع الحرب العالمية الثانية و رئيس الوزراء حسين سري باشا

37

أميرة عبدالرحيم

حياته :

ولد الشيخ محمد مصطفى المراغي في ٩ مارس ١٨٨١ في بلدة المراغة بمحافظة سوهاج، التحق بالأزهر الشريف بعد أن أتم حفظ القرآن الكريم بكتاب قريته، وتلقى العلم على يد كبار العلماء والمشايخ، و منهم الامام محمد عبده .
تخرج الإمام المراغي من الأزهر بعد حصوله على الشهادة العالمية عام ١٩٠٤م، وكان ترتيبه الأول على زملائه، وكان عمره آنذاك ثلاثة وعشرين عامًا .
وفي سنة التخرج عمل قاضيّا في مدينة دنقلة بالسودان، واستمر الشيخ المراغي في وظيفته تلك لمدة ثلاث سنوات فقط ، ثم عاد لمصر عام ١٩٠٧ ليتدرج في مناصب القضاء حتى تولي رئاسة المحكمة الشرعية العليا عام ١٩٢٣م.
وفي عام ١٩٢٣ تم تعيينه شيخًا للأزهر وهو في السابعة والأربعين من عمره، وكان معنيّا بإصلاح الأزهر، ولكنه لما وجد أن هناك عقبات كثيرة استقال من منصبه في أكتوبر ١٩٢٩م.
وفي أبريل ١٩٣٥ أعيد تعيين الشيخ المراغي شيخا للأزهر مرة أخري بعد المظاهرات الكبيرة التي قام بها طلاب الأزهر وعلماؤه للمطالبة بعودة الإمام المراغي للأزهر لتحقيق ما نادى به من إصلاح.
وظل الشيخ المراغي في منصبه شيخا للأزهر لمدة عشر سنوات إلى أن توفي في ٢٢ أغسطس ١٩٤٥ .

انجازاته في الاصلاح و التجديد :

عمل الشيخ الجليل جاهدا من اجل التجديد و إصلاح الأزهر و القضاء ، و كان إصلاحُ الأزهر هو الهدف الأساسيُّ الّذي وجّه إليه الإمام المراغي اهتمامه، لدى تولّيه مشيخة الأزهر .

قام بإنشاء ثلاث كليات علميّة تخصّصيّة، مدة الدراسة في كلٍّ منها أربعُ سنوات: كلية اللغة العربية، وكلية الشريعة والقانون، وكلية أصول الدين.

دعا إلى الأخذ بالأساليب الحديثة، والتَّوسُّع في الاجتهاد، حاثّاً الطلاب على دراسة اللغات الأجنبية؛ ليكونوا أكثر قدرة على نشر الإسلام والثَّقافة الإسلامية، في كل أنحاء العالم.

شكَّل لجنةً من كبار العلماء، مختصّةً بإصدار الفتاوى، للرّدّ على أسئلة الجمهور وغيرهم.

شكَّل جماعة كبار العلماء، من ثلاثين عضوًا، يتميّز كلٌّ منهم بأنّ له إسهاماً علميّاً بارزاً.

قام بتشكيل لجانٍ لدراسة قوانين الأزهر، ومناهجه الدراسيَّة، وبموجب ذلك أعَدَّ مشروع قانونٍ لإصلاح الأزهر، رفعه إلى الملك فؤاد الأول؛ عام 1929م فرفضه الملك، خشية أن يؤدّي ذلك إلى استقلال الأزهر عن القصر، فكان ردُّ الشيخ المراغي: أنْ وضعَ (مشروعَ القانون) في ظرفٍ، و(خطاب استقالته) في ظرفٍ آخر، مُخيّراً الملك بين الأمرين، فقبل الملك الاستقالة، فتظاهر طلابُ الأزهر وعلماؤه، مظاهراتٍ مطالبين بعودة الشيخ “المراغي” للأزهر، من أجل استكمال مسيرته الإصلاحية، وعاد الشيخ مرّةً أخرى، ولكن بعد خمس سنواتٍ تقريباً، واستمرّ بعدها في منصبه لمدَّة عشر سنوات.

اما عن إصلاح القضاء ، فكان من أبرز المهام التي ندب إليها الشيخ المراغي نفسه، وذلك من أجل تحقيق العدل والإصلاح بين الناس .

عمل على أن يستمدَّ القاضي سلطته وأحكامه من القرآن الكريم، والسنة النبوية الشريفة، لا من القوانين الوضعية، ولا سلطان لأحد عليه سوى رب العالمين .

سعى إلى إقامة نظامٍ قضائيٍّ، يعمل على إزالة أسباب الخصومة، ويسعى إلى التوفيق بين الخصوم دون اللجوء للتقاضي.

شكل لجنة برئاسته لإعداد قانونٍ للأحوال الشخصية في مصر. ووجّه أعضاء اللجنة بعدم التقيد بمذهب معين، حيث كان القضاة لايحيدون عن مذهب الإمام أبي حنيفة .

كان للإمام المراغي مواقف تاريخية مشرفة تؤكد على انه كان لا يخشى في الحق لومة لائم.

” أمثلك يهدد شيخ الأزهر ؟!” ..
من مواقف الشيخ الشجاعة التي لا ينساها التاريخ له ، موقفه من الحرب العالمية الثانية، حيث رفض الإمام المراغي فكرة اشتراك مصر في هذه الحرب سواء بالتحالف أو التعاون مع الإنجليز، أو التعاون مع الألمان للتخلص من الاحتلال البريطاني، كما أعلن الإمام المراغي موقفه صراحة بقوله: “إن مصر لا ناقة لها ولا جمل في هذه الحرب، وإن المعسكرين المتحاربين لا يمتان لمصر بأي صلة…”.
وقد أحدث موقف الإمام المراغي ضجة كبيرة هزت الحكومة المصرية، وأقلقت الحكومة الإنجليزية، والتي طلبت من الحكومة المصرية إصدار بيان حول موقف الإمام المراغي باعتباره شيخ الأزهر من هذه الحرب ومن الحكومة الإنجليزية.
فما كان من رئيس الوزراء المصري في ذلك الوقت حسين سري باشا إلا أن قام بالاتصال بالشيخ المراغي، وخاطبه بلهجة حادة طالبا منه أن يحيطه علما بأي شيئا يريد أن يقوله فيما بعد حتى لا يتسبب في إحراج الحكومة المصرية.
فرد عليه الإمام المراغي بعزة المؤمن الذي لا يخاف إلا الله قائلا : “أمثلك يهدد شيخ الأزهر؟” وشيخ الأزهر أقوى بمركزه ونفوذه بين المسلمين من رئيس الحكومة، ولو شئت لارتقيت منبر مسجد الحسين، وأثرت عليك الرأي العام، ولو فعلت ذلك لوجدت نفسك على الفور بين عامة الشعب.
وبعد فترة هدأت العاصفة لأن الإنجليز أرادوا أن يتفادوا الصراع مع الشيخ المراغي حتى لا يثير الرأي العام في مصر ضد القوات البريطانية المحتلة في مصر.

مساندته و دعمه للمجاهدين في السودان ..
قد تزعم الإمام المراغي حملة لجمع تبرعات في مصر لصالح المجاهدين في السودان الذين يقاومون الاحتلال البريطاني، وبلغت حصيلة التبرعات ستة آلاف جنيه مصري آنذاك تقدر اليوم بحوالي ستة ملايين جنيه مصري.

“ليس في ديننا الركوع لغير الله” :
اعتزمت الحكومة البريطانية أثناء احتلالها للهند، أن تحتفل بتنصيب الملك جورج الخامس إمبراطوراً على الهند؛ فأصدرت الأوامر إلى الأعيان وكبار الموظفين في السودان بأن يسافروا إلى ميناء سواكن لاستقبال باخرة الملك، وهي في طريقها إلى الهند، حيث تتوقف لبعض الوقت، وكان في مقدمة المدعُوِّين قاضي السودان، وهو وقتئذٍ الشيخ المراغي، وكان البروتوكول يقضي بألا يصعد إلى الباخرة أحدٌ غير الحاكم الإنجليزي، وأما من عداه فيمكثون بمحاذاة الباخرة، ويكفي أن يشرفهم الملك بإطلال عليهم. وعلم الشيخ بذلك الترتيب، فأخبر الحاكم الإنجليزي بأنه لن يحضر لاستقبال الملك، ألا إذا صعد مثله إلى الباخرة لملاقاته ، وهكذا كان؛ فصعد الشيخ المراغي إلى السفينة، واكتفى بمصافحة الملك، ولم ينحنِ له، فاستنكر الحاضرون من المسئولين البريطانيّين مسلكه غير المؤدّبـ بزعمهم، فرد الشيخ في اعتزاز بنفسه وبعلمه: “ليس في ديننا الركوع لغير الله.”

مؤلفاته :

أثرى الشيخ المراغى المكتبة الإسلامية بالكثير من المؤلفات والتراجم، و من أهم هذه المؤلفات ، الأولياء والمحجورون ، تفسير جزء تبارك ، بحث فى وجوب ترجمة القرآن الكريم ، رسالة بعنوان الزمالة الإنسانية كتبها لمؤتمر الأديان فى لندن ، بحوث فى التشريع الإسلامى، وأسانيد قانون الزواج رقم25 سنة 1929 ، مباحث لغوية بلاغية ، دروس دينية نشرت بمجلة الأزهر تشتمل على تفسير لبعض سور القرآن الكريم .

توفي الشيخ الجليل في ليلة 14 رمضان 1364 هـ الموافق 22 أغسطس 1945م، عن عمر يناهز الرابعة والستين . رحم الله الشيخ “المراغي”، وأسكنه فسيح جناته.

تعليقات الفيس بوك