حوار بين اللون واللحن مع البروفيسور محمد حسن كامل ج 2بقلم الدكتور السيد إبراهيم

113

متابعة دكتور

مفكرنا الكبير الدكتورمحمد حسن كامل التقينا بكم في حوارنا حول اللون واللحن في مسيرتكم الحياتية مع الجزء الأول الذي دار حول “اللون”.. وفي الجزء الثاني والأخير سنلتقي حول مسيرة اللحن:

… مفكرنا الموسوعي العالمي لأنكم من الأسكندرية بلد الفنون، وعاشقة الموسيقى، والبلد التي أخرجت للشرق الفنانين في كافة المجالات … كما أن هناك من يتمسك بشرقيته في موسيقاه حتى لو اغترب؟ وبعضهم يجد لذة الاغتراب فينضو فن بلاده… فما موقف مفكرنا الكبير؟ وأي الآلات عزفت أو أحببت؟

ـ المحاور والناقد الكبير الدكتور السيد إبراهيم أحمد، سؤال ذكي يجعلنا أن نطوف بالمفاهيم التالية: مفهوم الموسيقى وتاريخها وفروعها، الآلات الموسيقية الشرقية والغربية، المقامات الموسيقية في القرآن الكريممزامير داود، وموسيقى الطبيعة، وقصتي مع معهد الموسيقى العربية، الموسيقى العربية وأثرها في نفسي، الموسيقى العالمية وحفلات الاوبرا في باريس، وذكرياتي مع الأستاذة الدكتورة إيناس عبد الدايم رئيس دار الأوبرا المصرية، ذكرياتي مع عازف الكمان الفنان عطية شرارة، ونجله الدكتور حسن شرارة، وعزف القانون الأول الفنان أحمد منسي …. فضلاً عن الحفلات الموسيقية التي كنت أقيمها في منزلي بحضور هؤلاءالأعلام ….. ملف كبير لن أبخل به عن كتابنا الذهبي الذين سطره عن فن الموسيقى.
ـ الكاتب والمفكر الكبير الدكتور محمد حسن كامل أشكر تقريظكم للسؤال، وأشكركم على التفصيل والتقديم لإجابتكم النموذجية الممهدة بعناصرها الشيقة، وأحسد نفسي على هذا السؤال الذي سيفتح الكثير من صناديق الذكريات المعتقة، وحظ ونصيب القاريء منها ليس بالقليل فهنيئًا له..
ـ حَبر الاتحاد وسنامه الأديب والمحاور الساحر الدكتور السيد إبراهيم أحمد، سؤال عاصف للذهن، ماذا قال عظماء العالم عن الموسيقى؟:
*الموسيقى هي ضوء القمر في ليلة قاتمة للحياة. (جان بول).
* الموسيقى هي حركة أصوات للوصول بالروح للتربية والفضيلة. (أفلاطون).
* الموسيقى يجب أن تكون لديك هي الفرار. (ميسي إليوت).
* الموسيقى تغسل الروح من غبار الحياة اليومية. (برتولد أورباخ).
* الذي يستمع للموسيقى يشعر بأن عزلته مأهولة في آن واحد. (روبرت براوننج).
* بدون الموسيقى، سوف تكون الحياة خطأ. (فريدريك نيتشة).
* الموسيقى الجيدة يجب أن تكون قائمة على الابتكار. (ليه باكستر).
* لو أن الموسيقى هي غذاء الحب، فاعزف عليها. (وليام شكسبير).
* إذا نظرتم عميقاً بما فيه الكفاية سترون الموسيقى؛ قلب الطبيعة في كل مكان. (توماس كارليل).
* في الموسيقى، المشاعر تستمتع بوقتها. (فريدريك نيتشة).
* الموسيقى يمكن أن تغير العالم لأنها يمكن أن تغير الناس. (بونو).
* الموسيقى تعبر عن تلك التي لا يمكن أن تقال أو المستحيل أن يكون صمتاً. (فيكتور هوجو).
* سحر الموسيقى يهدئ وحش مفترس بربري، يلين الصخور، ويحني البلوط المعقود. (وليام كنغرف).
* الموسيقى هي الإلهام الأعلى من كل حكمة وفلسفة. (لودفيغ فان بيتهوفن).
* الموسيقى هي القانون الأخلاقي. إنها تعطي الروح للكون، وأجنحة للعقل، وتحليق إلى الخيال، والسحر والمرح في الحياة ولكل شيء. (أفلاطون).
* الموسيقى هي اختزال للعاطفة. (ليو تولستوي).
* بعد الصمت، ما يأتي أقرب إلى التعبير يوصف بأنه الموسيقى. (ألدوس هكسلي).
* كل الموسيقى جميلة. (بيلي ستراهورن).
* الموسيقى الكلاسيكية هو نوع نستمر في التفكير فيه سوف يتحول إلى لحن. (الجربى هوبارد).
* الملحنين لا ينبغي أن يفكروا كثيراً ذلك يتداخل مع الانتحال. (هوارد ديتز).
* الجحيم مليئه بغير المحترفين للموسيقى. (جورج برنارد شو).
* الموسيقى لا تكذب. إذا كان هناك شيء يمكن أن يتغير في هذا العالم ، ومن ثم لا يمكن أن يحدث إلا من خلال الموسيقى. (جيمي هندريكس).
* الموسيقى يحدث أن يكون شكلاً من أشكال الفن التي تتجاوز اللغة. (هيربي هانكوك).
* يمكن للموسيقى في النفوس أن يستمع إليها الكون. (لاو تزو).
* الموسيقى هي أداء واحتياجات الجمهور. (مايكل تيبت).
* الموسيقى هي روح اللغة. (ماكس هيندل).
* الموسيقى هي خطاب الملائكة. (توماس كارليل).

أما أنا فأقول الموسيقى هي:
الذبذبات الكونية واللغة الأم لكل المخلوقات العابرة للزمن والقارات والألوان والمشاعر واللغات وهي جواز سفر بلا أوراق ولا تأشيرات، هي تسبيح وتقديس المخلوقات لله رب العالمين … الموسيقى أول اللغات وأخرها، الموسيقى هي لحن الجمال والكمال والجلال.

ـ مفكرنا الموسوعي الكبير الدكتور محمد حسن كامل ذكرتم أنكم ستحدثنا عن تاريخ الموسيقى؟

ـ صحيح، الموسيقى هي اللغة العالمية الوحيدة التي لا تحتاج إلى ترجمة لا في القراءة ولا في الكتابة , يمكننا قراءة النوتة الموسيقية في أي مكان في العالم مهما كان الموطن الأصلي للمقطوعة الموسيقية .
لقد فشلت السياسة في توحيد العالم، ولكن نجحت الموسيقى أن تجعل للعالم لغة واحدة .الباحث عن جذور تاريخ الموسيقى قد يجهده البحث لعدم توافر مصادر ترجح نشأة الموسيقى , وبالتالي أستعير نظرية المحاكاة لأفلاطون في القرن الرابع قبل الميلاد والتي طوّرها وبلورها تلميذه أرسطو.
تلك النظرية التي تتحدث عن الفن والجمال، ومما لاشك فيه أن الموسيقى من أرقى الفنون الإنسانية، والمحاكاة هنا محاكاة الأصل، أعني بذلك موسيقى الطبيعة مثل حفيف ورق الشجر أو صفير الرياح أو هدير الأمواج وربما خرير الماء أو تغريد الطيور … الطبيعة هي الام الشرعية للموسيقى، هي الأصل ومحاكاة الأصل هو التقليد الذي يصاحب رداء من المشاعر أو صورة ذهنية تعبر عن عاطفة ما.
ببساطة شديدة تاريخ الموسيقى يرجع للمدرسة الأم التي علّمت الإنسان الأول الموسيقى والفلسفة في رحلة من التأمل والتدبر والتفكر.
محاكاة المحاكاة جعلت الإنسان يستخدم صوته أو يده أو يده وصدره لإنتاج موسيقى ذات لغة ومدلول خاص يترجم صورة ذهنية متفق عليها في تجمع سكاني معين أو دولة ما .
الباحث في أصول الحضارات الإنسانية القديمة لا تغفل عنه نافذة الفن والأدب ولاسيما الحضارة الفرعونية القديمة التي سجلت على جدران معابدها فنون الموسيقى والغناء بل سجلت قصائد من الشعر الفرعوني الذي قرأته مترجماً بالفرنسية، تؤكد الدراسات التي درستها عن تاريخ الموسيقى، أنها تؤكد فكرة الدولة والحضارة، حيثما توجد حضارة توجد فنون وموسيقى مثل حضارة الصين أو الحضارة البابلية اأو الأشورية وغيرها من الحضارات.

الحضارة العربية والإسلامية كانت لها أيضاً نصيباً من الموسيقى، ففي العصر الجاهلي كانت موسيقى الشعر سمة ظاهرة في بلاغة العرب، وجاء الإسلام بموسيقى القرآن الكريم التي تحدت موسيقى الشعر العربي.وموسيقى القرآن في الجوهر في دهاليز وسراديب الأثر الروحي للآيات، وأيضًا في موسيقى المظهر الموسيقى من الإيقاع بمختلف درجاته.
الموسيقى ظل المشاعر في أعماق النفس، لديها مقدرة للتعبير عما يعجز عنه اللسان.
الموسيقى هي تاريخ تسلق الهرم الإنساني بكل مافيه من نجاح وإخفاق، أتراح وأفراح، نصر وهزيمة، حب وكره ،علم وجهل، قوة وضعف، فقر وغنى.
الموسيقى هي المتناقضات والثنائيات ،هناك طبول للحرب، وأخرى للنصر، وثالثة للهزيمة .الموسيقى هي العزف على كل الآلات التي ترصد كل حدث.
الموسيقى هي السحر، والسحر من الموسيقى .هي مثل النبتة التي ترعرت وتفرعت من علوم الأصوات منها الموسيقى العربية والغربية..
في النهاية تجتمع كلها على سلم واحد يُسمى السلم الموسيقىى، هذا السلم الوحيد في العالم الذي يجمع مفاتيح الموسيقى كلها في العالم.

ـ المفكر الكبير الدكتور محمد حسن كامل على أنغام كلماتكم التي تنقلناعبر الأزمنة والأمكنة.. فنقرأ تاريخ الموسيقى وألوانها .. يسعدنا أن نستكمل تلك الرحلة معكم أيها “المايسترو” الذي سيقود قلوبنا وآذاننا وأحاسيسنا نحو معزوفات الشرق والغرب، ورحلته هو مع الموسيقى…

ـ لم أنس يا دكتور سيد هذا الإيقاع الصادر من طبلته عصر كل خميس، هذه الطبلة التي تجمع كل أطفال الحي من كل حدب وصوب، وكأنهم جيوش من النمل خرجت من جحورها …. دقائق وتمتلئ الساحة أمام بيتنا بالأطفال من كل الأعمار، ويصمت الجميع احتراماً لبدء العرض، كنت من المحظوظين ولا سيما وقد كانت شرفتنا تطل مباشرة على الساحة التي هي مسرح العرض.

رجلان وصندوق أسود… يبدأ أحدهما بمطالبة الجمهور من الأطفال بالتحية والتصفيق قبل بدء العرض، بينما يبدأ الثاني بتدوير (منفلة) يدوية في الجانب الأيمن من الصندوق والتي تلتهم شريطاً من الكرتون المثقوب ليخرج من فتحة أخرى في يسار الصندوق مع موسيقى عذبة رائعة … كنت أتابع هذا الصندوق الساحر محملق العينين …. شارد الذهن والفكر لهذا الصندوق العجيب الذي يُدعى بـ “البيانولا” مع تلك الموسيقى تظهر دُمي من الكرتون تُسمى بالأراجوز، هذا الأراجوز كان يعكس صور لشخصيات من دم ولحم من حياتنا المعاصرة، الموسيقى كانت بمثابة لوحة تصويرية للحدث بكل ما فيه من تفاصيل أما قصص أراجوز بلدنا فقد كانت ترصد شهادة على العصر بكل مافيه من سلبيات وإيجابيات، مسرح صغير ربما يرصد العلاقة بين الأغنياء والفقراء، بين العلماء والجهلاء، بين الماضي والحاضر بل كان تماماً يعكس الصور الفكرية من كتاب (كليلة ودمنة) الذي ترجمه عبد الله بن المقفع أو كتاب (لافابل) الذي كتبه الفرنسي لافونتين .
موسيقى البيانولا كانت مصاحبة لهذا الفن الذي بحثت عنه ووجدته في ساحات باريس الكبرى حتى يومنا هذا .
حفظت كثيراً من القصص والبطولات الخيالية عن طريق الأراجوز، وسمعت الموسيقى العالمية من البيانولا .فن بسيط يعجز عن تجسيده جيش من الفنانين والموسقيين والمصورين والمخرجين لإخراج لوحة فنية من لوحات البيانولا أو الأراجوز في كل مناحي الحياة من سياسة واقتصاد وفكر وحرب!
لقد كانت البيانولا مدرستي الأولى في التذوق الموسيقى، أما الأراجوز كان مدرستي للنقد والتحليل.
هل تصدق لقد تعلمت تلك العلوم ولم أتجاوز الرابعة من عمري؟!
تعلمت فن الإستماع إلى الموسيقى عبر البيانولا عندما كنت في الثالثة او الرابعة من عمري، سألت صاحب البيانولا عن عدد العفاريت الذين يسكنون هذا الدولاب الأسود، بل سألته كيف يعيشون وماذا يأكلون وماذا يلبسون؟ وبالطبع لم يجبني عن هذا السر إلا بعد أن منحته قرشاً (عشرة مليمات مصرية ) كانت كل ما أملك!

ـ مفكرنا الكبير على أنغام كلماتكم التي تنقلناعبر الأزمنة والأمكنة، فنقرأ تاريخ الموسيقى وألوانها، يسعدنا أن نستكمل تلك الرحلة معكم أيها “المايسترو” الذي سيقود قلوبنا وآذاننا وأحاسيسنا نحو معزوفات الشرق والغرب، ماذا عن رحلتك مع الموسيقى من خلال تأثير الأسرة؟

ـ كان أبي رحمه الله ذواقة للأدب والفن؛ فقد كان شاعراً وخطيباً بارعاً، يطوع اللغة حيثما شاء، بل كان يتبارى مع أصحابه في صالون الخميس الذي كان يعقده في منزلنا في كل أسبوع .
هذا الصالون الذي كان يتالق فيه الرواد بين الفلسفة والادب والتاريخ والسياسة والفقه وعلوم اللغات واللهجات .
كان أبي (سميع) للراحلة أسمهان وعبد الوهاب وأم كلثوم وعبد المطلب والشيخ أبو العلا وغيرهم، وكان يحتفظ في غرفته بآلتين وتريتين الأولى، هي: عود، تلك الآلة الموسيقية التي يرجع عمرها نحو خمسة آلاف سنة قبل الميلاد .
هذا العود الأثري قد اشتراه من أحد المزادات ويرجع تاريخه للعصر المملوكي، شاهد على عراقة التخت الشرقي العريق، وكأن أوتاره تبوح بتاريخ عراقة الفن وأصالته .
كان أبي ـ رحمه الله ـ دائم الاعتناء بهذا العود ولا يستخدمه إلا في المناسبات الهامة على مستوى الأسرة.
كم داعبت أصابع أبي أوتار عوده حينما كان يعزف مقطوعات لعبد الوهاب أو فريد الأطرش أو السنباطي.
أما الآلة الثانية التي كانت تنافس العود هي (المندولين) وهي آلة وترية أيضاً تشبه العود أما تاريخ المندولين يرجع إلى القرن الخامس عشر وقد ظهر في أوروبا ومن المشاهير الذين استخدموا المندولين في موسيقاهم العبقري موتسارت في أوبرا جيوفاني عام 1787 .
وبالطبع اشتراه أبي من صالة مزدات تحف.
كنت أستمع كثيراً لأوتار العود والمندولين الامر الذي جعل أذني موسيقية، أما البيانو فقد التقيت به في بيت عمتي التي كانت تعشق البيانو، كانت مديرة مدرسة تعشق الموسيقى.

كان بيانو أسود لامع، قديم، أثري، كنت قصير القامة لم أستطع الوصول لأرجل البيانو، أما العود والمندولين فقد كنت ألهو بهم بالطبع بلا علم لأنني لم أتعلم الموسيقى بعد.

ــ إذن متى تعلمت الموسيقى دكتور محمد؟

ـ لم أنس أولى دروس الموسيقى التي تعلمتها من هدير الأمواج على شواطئ الإسكندرية الحبيبة كل موجة ترسل هديرها بإيقاع مختلف، برسالة منفردة، ربما تحمل عَبرة في اللقاء أو لوعة في الوداع، أمواج البحر مثل صفحات الأيام كلاً منهما يعرف لحناً على أوتار الزمن ..

تعلمتُ يا دكتور الموسيقى من خرير الماء على ضفاف الجداول المتناثرة في ريفنا المصري الجميل، حينما تغرد الطيور مع حفيف أوراق الشجر، بينما تصدح البلابل باستقبال صباح كل يوم جديد..

كانت أناملي تداعب عود أبي خلسة، وحينما أكون في زيارة عمتي أحاول عزف أول مقطوعة عربية تعلمتها وهي (أهواك) للراحل عبد الحليم حافظ على البيانو، كنت أشعر بأني موسيقار كبير ..

أما أول مقطوعة عالمية تعلمتها كانت للعملاق (بيتهوفن) تُسمى (من أجل إليزة) والتي يرجع تاريخها إلى عام 1810 وبالطبع تعلمتها سماعي دون دراسة النوتة الموسيقية .
كنت ألتقي بالموسيقى في كل حدب وصوب، مع أصدقائي حيث كنت من (السميعة) وكان عندي راديو ترانستور ماركة “سوني” صنع اليابان اشتريته بستة جنيهات عداً ونقداً، كنت أسمع منه الموسيقى العربية الأصيلة حتى جاء اليوم الذي اشتركت فيه بمعهد الموسيقى العربية وكان عليّ أن أختار آلة فكانت آلة الجيتار فهي آلة وترية مثل العود والمندولين، ومن جهة أخرى يمكن عزف الموسيقى الغربية عليه بالإضافة كان من السهل شراء جيتار وأيضاً التنقل به حيث الأصدقاء والأحباب.

كنت أعشق عزف الراحل (عمر خورشيد) عازف الجيتار الأول في مصر، وبعد أن أدخله الموسيقار محمد عبد الوهاب في الموسيقى العربية فأصبح الجيتار آلة غربية في الموسيقى العربية .. ولكن سفري إلى فرنسا جعلني أنقطع عن دروسي في معهد الموسيقى العربية، وفي باريس اشتريت (أورج) هدية مني لبناتي لتعلم أولى دروس الموسيقى الفرنسية والعالمية.

ـ معالي البروفيسور محمد حسن كامل ذكرت في مقدمة إجابتك بعلاقتك بعدد من الفنانين والموسيقيين على رأسهم الدكتورة إيناس عبد الدايم وزيرة الثقافة المصرية الحالية، فهلا حدثتنا عن ذلك؟

ـ نعم، في خريف 1985 توجهت إلى مكتبنا الثقافي التابع لسفارتنا في باريس في جادة (إيانا) على مقربة بخطوات عديدة من جادة الشانزليزيه، أحد أعرق شوارع العالم .
صعدتُ سلم السفارة حتى الدور الثالث حيث مكتبنا الثقافي وفي يدي مقالة لمجلة الحياة التي كانت تصدر عن المكتب الثقافي المصري وقتئذ، تلك المجلة التي كانت تُكتب على الآلة الكاتبة ثم تُصور ويتم توزيعها على السادة المبعوثين، أتذكر موضوع المقالة كان بعنوان: (السينما في القرأن الكريم).

في صالة الانتظار تعرّفتُ على زميلتين تدرسان الموسيقى الأولى إيناس عبد الدايم التي أصبحت الأستاذة الدكتورة إيناس عبد الدايم عازفة الفلوت الأولى في مصر والعالم العربي، ثم شغلت منصب رئيس دار الأوبرا المصرية، والآن أصبحت وزيرة الثقافة، والزميلة الثانية هي مها محمد رفعت جرانة وهي التي أصبحت الأستاذة الدكتورة مها جرانة أستاذ الفلوت في معهد الكونسيرفتوار في مصر.

المهم التقينا نحن الثلاثة مع مستشارنا الثقافي الاستاذ الدكتور أحمد حسن الكاشف بعد أن انتهى من مقابلة مجموعة من أستاذة كلية الطب من الجامعات المصرية كانوا في مؤتمر للتخدير في باريس، وطالبوا أن يعد لهم المكتب الثقافي رحلة سياحية للتعرف على معالم باريس، تمكنت السفارة من تأجير أتوبيس سياحي، ولكن هناك مشكلة لابد من وجود مرشد سياحي يتحدث العربية وبالطبع العامية المصرية.

طلب منا الدكتور الكاشف إنقاذ الموقف والقيام بتلك المهمة أنا وإيناس ومها، سيادة المستشار وضعنا في هذا الموقف، وبعد دقائق كنا نحن الثلاثة في الأتوبيس وعلينا أن نتحدث ….بالطبع حاولت أن أقدم مها أو إيناس لم أفلح ومسكت الميكروفون وبدأت الترحيب بالضيوف ووصف الأماكن التي نمر عليها والحمد لله مرّ الموقف بنجاح رغم أسئلة الزوار المنطقية والغير منطقية.

واستمرت العلاقة بيننا كزملاء نتقابل دائماً في المكتب الثقافي أو في المركز في شارع “سان ميشيل” بجوار “حدائق لوكسمبورج” و”جامعة السربون” العريقة في باريس الدائرة الخامسة .
توطدت العلاقة بيني وبين إيناس على مستوى الأسرة، وكنا نلتقي في عطلة نهاية الأسبوع في بيتي أو بيت الدكتور يوسف الجمال عالم الفضاء المعروف وزوجته الدكتورة نوال عمر أستاذ الاقتصاد بجامعة باريس أو في البيت عند الدكتورة إيناس هي وزوجها وولدها شادي وبنتها فيروز، كانت دائما تحضر الفلوت وكنا نقيم سهرات للموسيقى العالمية.

كانت تلك المرحلة من أجمل أيام حياتي حيث حياة الطلبة البسيطة، كنا نجلس على أرصفة مركز بومبيدو، ونأكل البطاطس المحمرة في شوراع الحي اللاتيني .. امتدت تلك الصداقة بعد أن انضم إلينا الأستاذ الدكتور “حسن شرارة “عميد معهد الكونسيرفتوار الأسبق وعازف الكمان الشهير إضافة لوالده الفنان الكبير عطيه شرارة ..وتمر الأيام وألتقي بعازف القانون الأول في مصر الأستاذ أحمد منسي …..كل هؤلاء كنت ألتقي بهم في بيتي…. ما أروع أن تلتقي بالكمان مع الفلوت أو القانون.

حضرت معظم حفلات الدكتورة إيناس عبد الدايم بباريس وأيضاً أختها الدكتورة إيمان مصطفى .تمتعت بصحبة هؤلاء الكبار بفن الموسيقى العالمية والعربية بين جدران بيتي في ذكريات لا تبلى على جدار التاريخ .

ـ أعتقد بعد هذه الرحلة الماتعة في دنيا الفن عبر مدينتين وقارتين وحضارتين، ينبغي أن نعود أدراجنا في سؤال جديد ينقلنا إلى قضية حيوية استغرقت ومازالت تستغرق الزمن والأقلام والعقول، على أن نعاود الإبحار في دنيا الفن في محطةٍ قادمة، فما زالت جعبة الذكريات لصاحب هذه الجدارية مليئة بما يكفي لأن نسأله ونسأله وسنستخرج في كل مرةٍ الجديد من عالم المفكر الموسوعي العالمي سعادة الدكتور محمد حسن كامل، كما أتقدم بخالص الشكر والتقدير لكل من يتابعنا من القراء الأعزاء..

تعليقات الفيس بوك
Share via