280 × 90

” السماعة ” للكاتبة الروائية السورية ” نبوغ محمد اسعد “

169

 

كتب – محمود الهندى

 

إعلامية وكاتبة من سوريا ..تكتب الأجناس الأدبية المختلفة شعر .. قصة .. رواية .. وأدب أطفال .. لها مقالات أدبية في معظم الدوريات السورية ولها زاوية في جريدة كفاح العمال الإشتراكي والقرار وأسرار والأزمنة لها كتاب مطبوع لأطفال بعنوان أطفال في زمن الحرب وآخر قيد الطبع .

فازت بمسابقة أجمل شارة مسلسل لمؤسسة سوريانا..وفازت بالمرتبة الأولى ..لها عدة مقالات وحوارات في معظم البلدان العربية .
من مؤلفاتها هذه القصة ” السماعة ” فكتبت :

الشمس تجر ذيولها تستعد لتمخر في الغياب ..الطيور تفرش الاعشاش لتنام بهدوء بعد نهار مضني..الليل يمد جدائله السوداء على كتف الطبيعة.
تسلل البرد إلى أوصالها ..كما تسلل الليل إلى روح النهار..شعرت ببرودة أكثر حدة ..وبشيئ من الخوف ..وعقارب الساعة تمضي ببطء مما زاد في توترهاوقلقها ارتدت معطفها وصعدت إلى سطح منزلها..وراحت تتأمل الطبيعة بتقلباتها..الأشجار تتمايل على بعضها بعضا وتهمس بحكايا الناس طيلة النهار ..نظرت إلى السماء تراقب النجوم وهي تتنافس لتصل إلى القمر المضيئ..كأنه شاب وسيم يتهافتن العذارى للوصول لقلبه..عرجت بنظرها على تلك البيوت المترامية هنا وهناك..وقد بدأت تنار بالأضواء..تمنت لو تعرف ما يدور بداخل هذه البيوت..هبت ريح عاتية جعلت القشعريرة تتسرب إلى مفاصل الجسد ..هبطت الدرج ودخلت المنزل..فتحت باب غرفة.. الأولاد كانوا يكتبون واجباتهم المدرسية ..أثنت عليهم ..وعادت إلى غرفتها ..لتقلب فساتينها في الخزانة..أخرجت واحدا قصيرا وقررت أن ترتديه عند عودته..إنه يحب القصير الذي يكشف مفاتن الجسد والساقين ويحب الألوان الغامقة ..ثم راحت تقلب ألبومات الصور متجاهلة الوقت..تذكرت كلماته الجارحة كلما سألته عن اللواتي يتواجدن معه بالصور ..يجاوبها بغضب ..هذه طبيعة عملي ..هل أتخلى عن عملي لأجلك فتلوذ بالصمت ..وتضحك لوحدها كالمجنونة ..كم أنا ضعيفة أمام جبروته ..آه لقد عودته على ذلك منذ أن تزوجنا ..وجعلني كالدمية بين يديه لا أعلم من أمور الحياة شيئا..أنفذ طلباته كخادمة مطيعة..سمحت له بالتمادي على شخصيتي و كبريائي لأنني أحبه. .كلما حاولت أن اخرج من قوقعتي كان يسارع بقمعي .. ويرميني في بحره الغامض أتخبط بشباك الخوف والرهبة ..وأكثر ماكان يثير غضبي عندما يقول لي المرأة خلقت لبيتها وأولادها ولو تعدت حدودها لغرقت في وحل الحياة وتاهت في خضمها المظلم
تمنيت لو اصطحبني مرة إلى دار السينما أو حتى مطعم صغير أو حديقة تمنيت لو لدي صديقة أفتح لها قلبي وأحكي لها عن مأساتي ..تمنيت أن اذهب ولو مرة إلى صالون حلاقة للسيدات وأغير لون شعري ..أو أقصه بشكل آخر ..تنهدت بحسرة على شعرها الذهبي الذي كان ينسدل عل كتفيها كشلال
اليوم بات يحب الشعر الأسود والقصير المتعرج ..ويعيش كما يحلو له غير عابئ بمشاعرها تاركا لها الحيرة والصمت والألم..قالت في نفسها :أين كرامتي ؟أين حقي في الحياة ؟ إلى متى سأبقى صامتة ؟..هذه الوساوس أتتها دفعة واحدة ..لتفكر اليوم بثورة تحطم فيها كل الحواجز والقيود ..لقد آن الأوان لأخرج من قوقعتي اشتاقت نفسي لنور الحرية وهذا يكفي كي يفهم ما أرنو إليه
يرن جرس الهاتف ليوقظها من شرودها ..تمد يدها تلتقط السماعة ..ألووو ..نعم ..انا هي ..ماذا ؟؟؟ لا هذا مستحيل ..ارتدت ملابسها على عجل ..وهرعت للشارع لاقتناء سيارة أجرة توصلها إلى المشفى
كانت طوال الطريق تدعو له بالنجاة ..وقلبها يتمزق ويتناثر كقطع الزجاج ..تبا أيها القلب تنهار أمام عواصف الحب وانا بدونه ريشة في مهب الريح
حين وصلت المشفى ..شعرت بأن جسدها أثقل مما كانت تتخيل والخوف يملأ صدرها والدموع تنساب من مآقيها كشلال..أعطت اسمها للممرض على الباب وقالت انا زوجة فلان ..اصطحبها الممرض إلى غرفة العناية المركزة ..اقتربت من السرير ..كان القماش الأبيض قد غطى معظم الجسد ..تهالكت أمام السرير ..يالهول المصيبة جفت الكلمات على شفتيها نادته بصوت خافت مرتعش حبيبي شادي هل تسمعني ..أفتح عينيك وتأملني أغضب ..تذمر ..مزق جدار الصمت من حولي ..وامطر عليي بوابل كلماتك اللاذعة ..لا تتجمد أمامي يافرسي الجامحة ..أفعل ماتشاء لاتتركني وحيدة ..احضني بين ذراعيك ..ولا تبقى جامدا
.أتعرف منذ ساعات قليلة قررت أن أثور في وجهك واتحرر من قيودك وجبروتك..يبدو أنني أدمنت قيودك هات يدك لنخرج معا ..أمسكت يده اليسرى التي سرت بها البرودة ..لاحظت أنه يرتدي خاتما بها ..قالت له :كم هو جميل هذا الخاتم في اصبعك..اعتقدت أنه يرتديه اليوم لأجلها…فتح عينيه بتثاقل ونظر إليها أبتسم لها وحاول أن يرسم على شفاهه المتيبسة بعض الحروف واطبق يده على يدها بشدة حتى فارقته الروح ..انتحبت على صدره وهي تقبل يديه ووجنتيه الباردتين
اندفع باب الغرفة..ودخل رجل وامرأة شابة ترتدي بنطالا ضيقا وقميصا أسود ..يظهر القميص لضيقه مفاتن الصدر وتضع نظارتها المعتمة على أعلى جبينها ..وقفت فوق جثته واذرفت بضع دمعات عنوة ..وقالت للرجل باشروا في جنازته ..أيقنت أنها زوجته الثانية ..صرخت بوجهها بقوة وغضب وقالت لها ..كان زوجك ..لكنه حبيبي ولن أسمح لمخلوق أن يهينه في مماته .. أومأت المرأة للرجل اتركوه لها وغادرت دون أن تودع
عادت تقبل ووجنتيه وتمسحهما بيديها ..ووضعت رأسها على صدره الخامد ..وخاطبته قائلة ..حتى وأنت خائن
أحبك

تعليقات الفيس بوك
Share via