أراجوز بلدنا بقلم العالم الموسوعي بروفيسور محمد حسن كامل رئيس اتحاد الكتاب والمثقفين العرب

118

أراجوز بلدنا …….!!

لم

أنس هذا الإيقاع الصادر من طبلته عصر كل خميس , هذه الطبلة التي تجمع كل اطفال الحي من كل حدب وصوب , وكأنهم جيوش من النمل خرجت من جحورها ….دقائق وتمتلئ الساحة أمام بيتنا بالأطفال من كل الاعمار , ويصمت الجميع إحتراماً لبدء العرض , كنت من المحظوظين ولاسيما وقد كانت شرفتنا تطل مباشرة على الساحة التي هي مسرح العرض .
رجلان وصندوق أسود …..يبدأ أحدهما بمطالبة الجمهور من الاطفال بالتحية والتصفيق قبل بدء العرض , بينما يبدأ الثاني بتدوير (( منفلة )) يدوية في الجانب الأيمن من الصندوق والتي تلتهم شريطاً من الكرتون المثقوب ليخرج من فتحة اخرى في يسار الصندوق مع موسيقى عذبة رائعة …..كنت أتابع هذا الصندوق الساحر محملق العينين ….شارد الذهن والفكر لهذا الصندوق العجيب الذي يُدعى بالبيانولا
مع تلك الموسيقى تظهر دُمي من الكرتون تُسمى بالأرجوز , هذا الأرجوز كان يعكس صور لشخصيات من دم ولحم من حياتنا المعاصرة , الموسيقى كانت بمثابة لوحة تصويرية للحدث بكل مافيه من تفاصيل
أما قصص أرجوز بلدنا فقد كانت ترصد شهادة على العصر بكل مافيه من سلبيات وإيجابيات , مسرح صغير ربما يرصد العلاقة بين الاغنياء والفقراء , بين العلماء والجهلاء , بين الماضي والحاضر , بل كان تماماً يعكس الصور الفكرية من كتاب (( كليلة ودمنة )) الذي ترجمه عبد الله بن المقفع أو كتاب (( لافابل )) الذي كتبه الفرنسي لافونتين .
موسيقى البيانولا كانت مصاحبة لهذا الفن الذي بحثت عنه ووجدته في ساحات باريس الكبرى حتى يومنا هذا .
حفظت كثيراً من القصص والبطولات الخيالية عن طريق الاراجوز , وسمعت الموسيقى العالمية من البيانولا .
فن بسيط يعجزعن تجسيده جيش من الفنانين والموسقيين والمصورين والمخرجين لإخراج لوحة فنية من لوحات البيانولا أو الاراجوزفي كل مناحي الحياة من سياسة وإقتصاد وفكر وحرب ….!!
لقد كانت البيانولا مدرستي الاولى في التذوق الموسيقى , أما الأراجوز كان مدرستي للنقد والتحليل
هل تصدق لقد تعلمت تلك العلوم ولم اتجاوز الرابعة من عمري ….!!
تعلمت فن الإستماع إلى الموسيقى عبر البيانولا عندما كنت في الثالثة او الرابعة من عمري , سألت صاحب البيانولا عن عدد العفاريت الذين يسكونون هذا الدولاب الأسود , بل سألته كيف يعيشون وماذا يأكلون وماذا يلبسون وبالطبع لم يجبني عن هذا السر إلا بعد منحته قرشاً (( خمسة مليمات مصرية )) كانت كل ما أملك ……!!
مما لاشك فيه ان المسرح أقدم الفنون وأكثرها تأثيراً في المجتمع والحياة .
ويعد الأراجوز أكثر الشخصيات تأثيراً على مسرح العرائس , لمعالجته لأمور الحياة اليومية ببساطة وسخرية بشكل فكاهي مما يجعل هناك حوار تلقائي بينه وبين الجمهور يعتبر الأرجواز جهاز إستشعار لنبض الشعب بكل طوائفه السياسية والإجتماعية , كما يعتبر ناقل للمعرفة عبر العصور والدهور , الأراجوز ذاكرة الأمة .
بدأ الأرجوز في العصر الفرعوني السحيق، وكان يسمى “إرجوس”، وهي تعني حرفيا “يصنع كلاما معينا”، ومنها اشتقت كلمة “أراجوز”، وهو إسم يعود إلى العصر العثماني، حيث كان يسمى وقتها “قراقوز” أو “الأرا أوز”، وتعني الـ”عين السوداء”، سُمي بهذا الإسم ليعكس فكرة النظر إلى الحياة بمنظار أسود، وإزدهر هذا الفن الساخر في أواخر العصر المملوكي قبل الغزو العثماني لمصر..
ويعتبر الفنان الراحل ” محمود شكوكو ” من رواد هذا الفن في العصر الحديث .
ويعتبر فيلم الاراجوز من أشهر الأفلام التي قام ببطولتها الفنان الراحل عمر الشريف .
الأراجوز فيلم مصري 1989 من بطولة عمر الشريف وميرفت أمين وهشام سليم وأحمد خليل وإخراج هاني لاشين. تصميم وتصنيع العرائس وقام بتمثيل دور الارجوز وتحريك العرائس “هشام جاد “..
الغريب في الأمر أن الفنان هشام جاد كان يحيى حفلات ميلاد بناتي في باريس بنفس عرائس فيلم الارجواز ومن أشهر أغاني الاراجوز ” يا أراجوز المدارس ” للراحل العملاق عمر الشريف على هذا الرابط :
د محمد حسن كامل
رئيس اتحاد الكتاب والمثقفين العرب

تعليقات الفيس بوك
لا يوجود كلمات دليلية لهذه المقالة.
Share via