عمرو الفقي ” دماغ استروكس ” قصص مصرية معاصرة

132
#سيد_و_زينب ( ٣ )
….وفور سماع الباشمهندس أحمد حديث والده الذي امتزجت فيه عصبية الصعايدة برعشة خفية لعاشق مرتاع ، تحت غطاء من الصلابة المصطنعة ، أسرع أحمد بسيارته الجديدة موديل ٢٠١٩ والذي دفع مقدمها وتحمل عبء أقساطها المبالغ فيها ؛ إرضاء لزوجته المرفهة بنت الناس أو لنقل بوضوح ” بنت رئيس مجلس الإدارة “، والتي أصرت على تغيير تلك ” الخردة ” التي كان يركبها أحمد قبل خطبتها ، بتلك الفارهة التي تليق به بوصفه جوز “الهانم ” بنت ” الباشا ” ولم يستطع أحمد رفض الفكرة القرارية خوفا من غضب ” بنت الأكابر ” والتي لم تحظ يوما برضا الاسطى أو زينب لأنها في رأيهما ” مش من طينتهم ” والعجيب في الأمر أن الهانم أيضا لم تسع يوما لنيل رضاهما ؛ فلا يعنيها الأمر من قريب أو بعيد …..
وصل أحمد إلى ” بيت بولاق ” ركن سيارته على ” الرئيسي ” فدخولها
محفوف بمخاطر احتكاك جوانبها بنتوءات أحجار بيوتها العتيقة ، خطواته السريعة ، دقات قلبه المتتابعة كقرعات طبول حرب لعينة ، عيناه الزائغتان ، أفكاره المضطربة وخيالاته المرعبة و كلمات أمه ونظراتها في زيارته الأخيرة لهما منذ أيام وهي ترجوه أن يجلس معهما لبعض الوقت فزيارته الدقائقية لم ترو ظمأ الأم ولهفتها ، ومغرياتها المكشوفة بأنها أعدت له الملوخية التي يحبها و الرز أبو شعرية والتي لم تفلح جميعها في جعل الباشمهندس يطيل زيارته المكوكية قليلا ، و أنى له ذلك و” بنت الباشا ” تنتظره في السيارة لتصطحبه لعيد ميلاد ” جاسمين السويركي ” في فيلا التجمع ، كل تلك الخواطر نمزق كيانه وتعصف بعقله ، كريح تعوي في قفر مهجور ، فتختنق روحه بغصة مريرة و تستغيث عيناه من دموعه الأسيرة بهما….
وصل إلى بوابة البيت المتهالكة وكأنما شاخت كأهله ، قفز يتجاوز درج البيت الحجري وجد أباه على باب الشقة صلبا ثابتا مصفرا جاف الشفاة كان مشهد الأب كلوحة رسمها فنان عابث مخمور فجمع فيها بين النقائض بريشة مرتعشة وعقل خاو ….
وفتح الأب الباب ليجد “رفيقة العمر ” مسجاة على الأرض وقد جحظت عيناها وبردت أطرافها المتشبثة ب ” بطرحتها ” السوداء التي ترتديها دوما على رأسها حتى في البيت وفي عدم وجود غرباء ” الأصول كده ” ، ولكنها الآن لا تضعها على رأسها ف” الطرحة ” ملتفة كثعبان خبيث حول رقبتها التي تحمل تجاعيدها آثار السنون وأيامها …
انهار الاسطى وهو يرى جثة زينب أمامها وقد اغتال أحدهم حبيبة قلبه بكل ضراوة ودون شفقة ، وزادت ألام الرأس الأسمر وكأنما هي مطرقتين من حديد تتباريان في سحق تلك الرأس الأصلع !
ولأول مرة يرى أحمد دموع الحاج ، لأول مرة ترتعش كفه الخشنة الصلبة ، لأول مرة يراه ضعيفا خائفا وهو يقلبها يمينا ويسارا ويضمها إلى صدره قائلا ” ليه بس ؟ ليه عملتوا فيها كده ؟ ليه ده كانت حنينة ع الكل وعمره ما أذيت حد ؟” كلماته تمزق أحمد الذي مازال حتى هذه اللحظة لا يستطيع استيعاب الموقف كاملا وكأنما يصر عقله الرياضي أن يفسر الواقعة منطقيا ؛ فيعجز عن إيجاد سبب لها …
وتنهار قوانين العقل والمنطق ، ويجثو أحمد على ركبتيه ملقيا برأسه على صدرها باكيا ، ثم يرفع رأسه بعينين يطل منهما مرعبا جنون الصدمة والقهر قائلا ” أنا أهو ياما أنا جيت ؟ يلا قومي بقى …طيب أنا جعان! قومي أكليني …طيب أنا عندي مشاكل في شغلي ! إدعيلي
..طيب أنتي مخصماني ؟..أمال ما بترديش ليييييه ؟ ردي بقى !..ردي يا اما والنبي …..” ، ولا تجيب الأم !
يمد الاسطى أنامله ليغلق الأجفان التي طالما رأى فيها سنوات عمره الماضي و أمنيات و أحلام الغد ، و لطالما أبت تلك الأحداق الجاحظة أن تغفو إن تأخر الحاج أو مرض الواد أو حل رمضان بلياليه …..
الآن يغلقها كرها ، مراعاة لحرمة الم….المي…الميت ” نعم يا سيد ، حرمة الميت ، خلاص يا سيد زينب ماتت ، سمعت ماتت ..” هكذا جلدته سياط نفسه وكأنما تحالفت الحياة ضده في تلك اللحظة التي لم ولن تنتهي…
وبشراسة أسد جريح ” ينهش السؤال عقله … من قتل زينب ؟ ولماذا ؟”
هذا ما ستحمله الحباية ( ٥ ) والجزء ال ( ٤ ) من #سيد_و_زينب
تعليقات الفيس بوك
لا يوجود كلمات دليلية لهذه المقالة.
تعليقات
Share via