أهرام اليوم تنشر لكم المحاضرة الـ9 عن مفهوم الاختلاف بين العقود الاداريه والعقود العاديه ووجهات الاختصاص

495

بقلم الدكتور اسامة القباني

متابعة : محمود الحسيني

العديد من العقود ، وإنه ولئن كانت هذه العقود في الماضي لم تخرج عن المفهوم العام للعقود التي يبرمها أفراد القانون الخاص، أي أن هذه العقود كانت تخضع فيما سلف لأحكام القانون المدني، إلا أنه وبعد نِشأت مجلس الدولة كقضاء موازى للقضاء العادي، أصبحت هناك حاجه ملحة لوضع معيار يفرق بين العقود الإدارية التي تبرمها الدولة أو أجهزتها المختلفة والتي يختص بها القضاء الإداري، وبين العقود الخاضعة لأحكام القانون الخاص التي يختص بها القضاء المدني أو القضاء العادي،

ذلك لأنه قد ثبت، أن الدولة هي الأخرى قد تبرم مثل الأفراد العاديين عقود تخضع لأحكام الخاص ولا تخضع لأحكام القانون الإداري وبالتالي لا يختص بنظر المنازعات بشأن هذه العقود القضاء الإداري، وبالتالي فإنه يمكن القول – على نحو ما استقر عليه الفقه والقضاء – أن المعيار الشكلي لا يصلح أساساً للتفرقة بين نوعى العقود الإدارية والخاصة ( المدنية ).

كما أنه من المعلوم أن القانون الإداري – بمعناه الفني القانوني الدقيق – قد نشأت مبادئه في كنف القضاء الإداري، وإنه بذلك قانون حديث النشأة، وبالنظر إلى هو الحاكم للعقود الإدارية التي تبرمها الدولة وأجهزتها، لذا أبرزت الأحكام القضائية بوضوح تام أول المبادئ الحاكمة لهذه العقود، المبينة لأوجه الفرق بينها وبين العقود الخاصة، إذ ذهبت المحكمة الإدارية العليا منذ بواكير أحكامها وعلى وجه الخصوص حكمها الصادر في صبيحة 2/6/1956: ” أن روابط القانون الخاص تختلف في طبيعتها عن روابط القانون العام، وأن قواعد القانون المدني قد وضعت لتحكم روابط القانون الخاص، ولا تطبق وجوبا على روابط القانون العام إلا إذا وجد نص يقضى بذلك.

فإن لم يوجد فلا يلتزم القضاء الإداري بتطبيق القواعد المدنية حتما وكما هي، وإنما تكون له حريته واستقلاله في ابتداع الحلول المناسبة للروابط القانونية التي تنشأ في مجال القانون العام بين الإدارة في قيامها على المرافق العامة وبين الأفراد، فله أن يطبق من القواعد المدنية ما يتلاءم معها، وله أن يطرحها إن كانت غير متلائمة معها، وله أن يطورها بما يحقق هذا التلاؤم “

ومما تقدم يتضح لنا أن القانون الإداري يفترق عن القانون المدني، في أنه غير مقنن، حتى يكون متطوراً غير جامداً، وفى ذات الوقت يتضح لنا أن القضاء الإداري يتميز عن القضاء المدني في أنه ليس مجرد قضاء تطبيقي مهمته تطبيق نصوص مقننة مقدماً، بل هو على الأغلب قضاء إنشائي لا مندوحة له من خلق الحل المناسب، وبهذا أرسى القواعد لنظام قائم بذاته ينبثق من طبيعة روابط القانون العام واحتياجات المرافق ومقتضيات سيرها، وإيجاد مركز التوازن والموائمة بين ذلك وبين المصالح الفردية ( التي تمثل الطرف الثاني في العقود الإدارية )، فابتدع نظرياته التي استقل بها فى هذا الشأن وسبق بها القانون الخاص، سواء في علاقة الحكومة بالموظف أو في المرافق العامة وضرورة استدامتها وحسن سيرها أو في العقود الإدارية التي هي موضوع هذه المحاضرة.

وبناءً على ما تقدم فإننا سنتناول في هذه المحاضرة المسائل الآتية :
1- نشأة فكرة العقود الإدارية التي تبرمها الدولة أو أحد أجهزتها
2- ماهية العقد الإداري ( تعريفه – تمييزه وأركانه )
3- الاختصاص القضائي بالعقد الإداري ومداه

أولاً: نشأة فكرة العقود الإدارية
بادئ ذي بدء تجدر الإشارة إلى أن فكرة العقود الإدارية أو بمعنى أدق نظرية العقود الإدارية، لم تنشأ فى فرنسا إلا فى تاريخ متأخر، لا يكاد يتجاوز مطلع القرن الماضي، وذلك رغم قدم نشأة مجلس الدولة، ولقد كان المعيار المتبع لتوزيع الاختصاصات بين جهتي القضاء يقوم على فكرة السيادة أو السلطة، فالمنازعات التى تتعلق بأعمال السيادة أو السلطة هى وحدها من اختصاص القضاء الإداري، وما عداها من تصرفات عادية تبرمها الدولة أو أحد أجهزتها تكون من اختصاص القضاء العادى، وذلك إلى بدايات مطلع القرن الماضى، إذ بدأ مجلس الدولة الفرنسى فى ولوج سبيل توسيع اختصاصاتها بعقود تبرمها الدولة أو أحد أجهزتها كان ينظر إليها حينذاك أنها من العقود ذات التصرفات العادية.

وأما عن الوضع فى مصر، فإنه فى ظل اختصاص القضاء العادي بنظر منازعات العقود التي تبرمها الدولة, قبل نشأة مجلس الدولة المصري, يمكن القول ان المحاكم الأهلية والمختلطة لم تعرف القواعد الإدارية التي شادها ونظمها مجلس الدولة الفرنسي, وتلك التي أرساها مجلس الدولة المصري بعد إنشائه, إذ في ظل هذه الحقبة الزمنية كانت المحاكم الاهلية والمختلطة تطبق القانون المدني والتشريعات الخاصة علي العقود الإدارية, ولعل حكم محكمة النقض المصرية الصادر في 14/1/1932 في شان قضية الشعير المشهورة, يبرز لنا ويؤكد هذا النظر إذا ذهبت في حكمها إلي أن: ” ومن حيث انه وان كانت نظرية الظروف الطارئة تقوم علي أساس من العدل والعفو والإحسان, إلا انه لا يصح لهذه المحكمة أن تسبق الشارع الي ابتداعها, فيكون عليها هي وضعها وتبيان الظروف الواجب تطبيقها فيها…..”

وفي هذا الحكم المتفدم يقول أستاذنا الدكتور/ سليمان الطماوي : ” وحكم النقض السابق يبرز الفارق الجوهري بين القضاء العادي التطبيقي والقضاء الإداري ذي الطبعة البريتورية “
وانه ولئن كان ذلك كذلك, إلا انه بعد نشأة مجلس الدولة في مصر أخذت فكرة أو نظرية العقد الإداري تتبلور لتظهر في صورتها الحقيقية, كما انه ولئن كان القانون الأول الصادر عام 1946 بإنشاء المجلس وقد خلا تماماً من أية إشارة الي اختصاص هذا المجلس بمنازعات العقود الإدارية, إلا أن الحال لم يستمر طويلاً, إذ صدر القانون رقم 9 لسنة 1949 ليحل محل القانون 112 لسنة 1946, وقد تضمن في مادته الخامسة علي اختصاص المجلس بالفصل في المنازعات الخاصة بعقود محددة عل سبيل الحصر ألا وهي : عقود الالتزام والأشغال العامة وعقود التوريد الإدارية, ولقد بررت لجنة الشئون التشريعية بمجلس النواب – حينذاك, هذا الاختصاص الجديد لمجلس الدولة بأنه: ” …. يتيح الفصل فيما ينشأ من المنازعات حول هذه العقود, ودون التقيد بالنصوص المدنية البحتة ويفسح المجال للأخذ في شأنها بنظريات قد لا تتسع لها .

وسوف نواصل معكم الاسبوع القادم والمحاضرة العاشرة على طول الطريق الصحيح الذي كان من المقرر أن نتواصل في إتمام المحاضرات المستفاده والله الموفق .
بقلم الدكتور/اسامة القباني رئيس الاتحاد العربي الاروبي للتحكيم وفض المنازعات .

تعليقات الفيس بوك
لا يوجود كلمات دليلية لهذه المقالة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.

Share via