رواية رغبات مهشمة .. تنطلق من مصر المحروسة


148

كتبت : شادية يوسف

رغباتٌ مهشَّمةٌ” أوّلُ روايةٍ للكاتبة إخلاص فرنسيس و،تطرق فيها إلى موضوعِ الحبِّ بمعانيهِ ومراميهِ كافّةً، كيفَ، ومتى يكونُ على مستوًى فكريٍّ وروحيٍّ وجسديٍّ، وكيفَ، ومتى يتخطّى حدودَ الزّمانِ والمكانِ والتقاليدِ والأعرافِ في صيغةٍ أدبيّةٍ، دونَ أن يمسّ أحدًا بأيّ أذًى.

الحبُّ هو جوهرُ حياةِ الإنسانِ منذ كانَ، وفي “رغباتٌ مهشّمةٌ” تقول الكاتبة : كان لي الشّرفُ أن أتناولَ الصّراعَ في شخصيّاتِ الأبطالِ، وتسليط الضوءِ على هذا التشرذمِ والتناقضِ بينَ الواقعِ والعالمِ الخياليِّ، ولا سيّما في حياةِ امرأةٍ تنزفُ حزنًا من شظايا كوابيسِ مجتمعٍ تركَها مهشّمةً، إنّها امرأةٌ ترى نفسَها ذاتَ رغباتٍ مسجونةٍ ومكبوتةٍ في لوحةٍ معلّقةٍ على جدارِ الحياةِ.

“رغباتٌ مهشّمةٌ” هي جسر بيني وبين المرأة في كلّ مجتمع، وفي كلّ مكان لأقول: لا تقاعد ولا تقاعس في العشق. �الحبّ، العشق، في كلّ زمان ومكان هو المحور الرئيسيّ الذي تتمحور حوله القلوب، وهو هاجس وهدف كلّ امرأة ورجل.

الوجع أن يحيا الإنسان بدون حبّ، والوجع الأكبر عندما تجد الحبّ في الزمان والمكان غير المناسبين.

“رغباتٌ مهشّمةٌ” رواية وجدانية رومانسية في الظاهر، لكنّها إنسانية في محتواها، لأنّها تحاكي الإنسان، فيها انعكاس المرأة وحياتها حيث أبرزت وجه المرأة المخفيّ الذي لا يراه إلا امرأة مثلها، أمٌ رؤوم، زوجة مُحاربة خلف الكواليس، مجنّدة اقتصرت حياتها على تربية الأولاد كما كلّ أنثى في المجتمع الشرقيّ، لم تعرفْ أنوثتها، ولم تجدْ قيمتها إلا حين طرق الحبّ قلبها، وحلّقت في سماء الحلم.

إنّ دورها في الحياة ليس فقط أن تكون أمّ فلان وزوجة فلان، ولكن لها قلب ينبض، وكيان ومشاعر لها الحقّ بها.

عندما قابلت البطلة الشخص المناسب، على الرغم أنّه كان في الوقت غير المناسب أطلقت العنان لقلبها، وثارت على المجتمع الذكوريّ الظالم، وكسرت التقاليد التي رضخت لها في الماضي، ورضيت أن تكون مهمشّة بإرادتها، وها هي هنا امرأة أخرى لا تنتمي للسابقة بصلة، فهي بإرادتها الحرّة تخضع لحبّها الجميل.

لقد عانت الكثير من الصراع الداخليّ، ما بين القيم التي تربّت عليها، وبين ذاتها التي ولدت من جديد، وحقّها في الحياة على أن تكون عاشقة ومعشوقة.

الصراع في الحبّ بين المسموح والممنوع من خلال تأثير العلاقات والتقاليد التي تضع خطوطًا حمراء لا بدّ من خوضه، إذا ما كتب للحبّ أن ينجح ، هذا الصراع الذي اشتدّ وتلاطم في نفس ريتا إلى درجة جعلها تقرّر أن تترك حبيبها، مع بقائها على حبّه بعيدة عنه، أي النظر إلى العالم من ثقب إبرة.

على الرغم من أنّها عملت على تحقيق اللقاء في وقت معين، ولكن كأنّ الأقدار كانت أقوى منها، بعد أن أزهرت حياتها، والتقت بحبيب العمر، فكانت لها بالمرصاد، فسرق منها الفرح، وبدأ من جديد صراع تلو الآخر، ألم تلو الآخر، أحداث جعلت من حياتها، ومن أحداث الرواية كوابيس متلاحقة، وصراعًا أشبه بصراع الوجود “تكون أو لا تكون”.

أما بالنسبة للبطل فكان هذا الحبّ هو الذي جعله يشعر بالنصر والفرح.
اختيار الأسماء كان له دلالة معيّنة، وما بين السطور كان صراع المصالحة مع الذات.

ريتا هي لسان حال كلّ امرأة تسعى إلى الحياة التي تريدها لا التي يُراد لها.

إنّها ليست صورة في برواز معلّق على جدار الرجل الوصيّ أو المجتمع الغبيّ.

الرواية عن الحبّ الممنوع والمقموع في شرقنا الساديّ الذي يتلذّذ بشقاء المرأة التي أدركت أخيرًا أنّ الحياة ليست جديرة أن تُعاش دون الحبّ.

 وتقول الكاتبة ما لم أكن أعرفه عن نفسي في وطني وبلدي كشفته لي الأيّام والسنونَ في بلاد الاغتراب بعيدًا عن الوطن، وبعيدًا عن المجتمع الذي ربيت وترعرت فيه.

لقد كشفت لي الغربة ليس فقط نفسي كامرأة، ولكن أزاحت الستار والقشور التي كانت تغلّفني، وكسرتِ القيود التي كنت مكبّلة بها دون وعي مني، بالنسبة للشعر عامّة، والقصّة القصيرة والرواية خاصّة.

لم تكن هذه الاكتشافات الوحيدة التي رفعت الغربة الحجاب عنها لي، بل عن المرأة عامّة، المرأة في الشرق وفي الغرب. وبدأت المقارنة بينهما، حيث رأيت أنّ المرأة الغربية كانت تستطيع أن تقول: لا، دون أن ينهال عليها المجتمع بأبشع التّهم والعقوبات، وفي أحيان أخرى نادرة فقط لم أرَ هناك أيَّ اختلاف كبير من ناحية الزواج غير المتكافئ، والحرية التي يُنادى بها من على المنابر.

لقد أوجعني ونكأ جرحي أن أرى المرأة الشرقية حتى في بلاد الحرية تجترُّ نفس المعاناة، لقد حملت معها قيودها وظلم المجتمع والنظرة غير السوية نحوها إن هي أرادت أن تخوض الحبّ، أو تجرّأت أن تقول: لا لزواج نمطيّ متخلّف.

لقد شاءت الظروف أن أنتقل إلى أميركا في ذروة انتشار النت، وشبكات التواصل الاجتماعيّ في أوجها، ومنها الفيس بوك، وفرحْت إذ وجدت لي منفذًا أكتب فيه بعضًا من شذرات أو خواطرَ أعبّر فيها عن نفسي، وبتشجيع من الأصدقاء كتبت محاولاتٍ في الشعر والخواطر ، وكان لي ديوان “حوارات غزلية” مع الصديق الجميل الشاعر معروف عازار، ومن خلال مساجلاتنا الشعرية رأى الصديق أنْ أتوجّه إلى كتابة القصّة لما أملك برأيه من أسلوب جميل في السرد.

لقد كانت اللغة العربية تحدّيًا كبيرًا لي ولا سيما أنّي تركت ممارسة الكتابة فترة طويلة، وكنت أتداول في حياتي اليومية اللغة الأجنبية. هنا شعرت أنّي أفتقر إلى دقّة المفردات وصوابها، وكانت نصيحة الأصدقاء أن أقرأ أكثر، ومع ذلك كنت أخاف اللغة وقواعدها، واحترت عن أيّ موضوع أكتب، وماذا أكتب.

كيف لي أن أكتب القصّة أو الرواية، وكيف ومن أين أبدأ، وما المادة التي سوف أكتب عنها؟ وفي هذه الأثناء كنت قد تعرّفت إلى سيّدة من خلال مركز التواصل الاجتماعي الفيس بوك، وكانت تتابعني، وتعجب بكتاباتي، وقد نشأت بيني وبينها صداقة متينة، من هنا أفضى بها الأمر أن تخبرني قصّتها مع حبيب لها عرفته من خلال الفيس بوك، ولم تكتب لهما فرصة اللقاء والتنعّم بهذا الحبّ، لأنّها مربوطة بالقيود، ليس ذلك فقط بل معلقة من عرقوبيها، وقد عرّفتني عليه لاحقًا، وكنت قد كتبت آنذاك عنهما خاطرة قصيرة بعد ما استأذنتهما، ومن هنا أتت الفكرة عندما أوجعتني كلماتها ودموعها وهي في بلاد الحرية حيث لم تستطع أن تعيش الحبّ الذي كان الضوء الوحيد الذي أمدّها بالحياة.

تبدأ روايتي بموعد للقاء بين الحبيبين بعد تعارف طويل تمّ من خلال التواصل الاجتماعي الفيس بوك، وقد طلبت البطلة اللقاء في ربوع الوطن الذي تركته منذ أمد بعيد، ومن خلال هذه العودة أردت إلقاء الضوء قليلًا على ما أصاب لبنان إبان الحرب الأهلية، وهو البلد الجميل الذي كان يعدُّ سويسرا الشرق.

تمّ اللقاء، وكان أجمل ممّا يتصوّران، لكن وكأنّ القدر بخل عليهما مرّة أخرى، وعمل على تفريقهما في ظرف غامض عند اختفاء شمس بعد أول يوم من اللقاء، هنا تأزّمت حالة ريتا ما بين الشكّ والخوف والخذلان برغم الحبّ الأكيد الذي رأته وعرفته في شمس، فعادت إلى كندا تجرّ ذيول الخيبة والألم والحيرة والضياع، لا تعرف ما أصابه، وكأنّها فقدت جزءًا من حياتها.

لم تعد ريتا كالسابق بعد هذا اللقاء الذي عرفت فيه أنّ اللقاء أكّد أنّ الحبّ هو أولًا انسجام فكريّ وروحيّ قبل أن يكون جسدًا فحسب.

اقتحم المرض حياة ريتا التي لم تكن يومًا تخلو من الوجع، وأضاف لوجعها وجعًا آخر، ومن الوجع خرجت قوة دفعت بريتا أن تقول: لا، لأول مرة في حياتها، وأن تستقلّ بعيدًا عن بيتها، وتواجه تبعاتِ العلاج وحدها، وكأنّ الوجع والحبّ معًا خلقا ريتا الجديدة.

لم يهدأ بال شمس الذي نكتشف أنّ اختفاءه كان غصبًا عنه وليس بيده، ولم يترك فرصة تفوته، وعاود الاتصال بريتا التي بدورها أرادت أن تجنّبه الوجع، وهي تقول له: إنّها تسير إلى موت حتميّ، وهو قد خرج للتوّ منه، مفضّلة أن يراها دائما في الصورة التي عرفها بها، ولكن الحبّ يصنع المعجزات، وكان الشفاء حليفها.�هذه المرأة التي رأيت فيها وجوه كلّ النساء اللواتي كبلهنّ المجتمع العربي والتقاليد البالية التي هشّمت رغباتهنّ لم يستطعنَ أن يبحنَ بها، هشمتهنّ، وقتلت كلّ جميل في داخلهنّ، وأصبحنَ محض دمًى تتحرّك حسب أهواء مجتمع بأكمله.
شدتني الحالة روحيًّا، ووجدتها ليست قضية امرأة فقط بل قضية النساء عامة في الوطن وفي بلاد الغربة.

لقد لزمتني الحالة، وكتبت الرواية كردة فعل لتقاليد توارثناها عبر الأجيال، وكانت نيرًا حول عنق المرأة، ووضعتْ في لوحة معلّقة على جدار منزل الرجل الذي لم يعبأ يومًا بأن يكترث بهذه المرأة وبمشاعرها.
كنت أبكي حين أعاود قراءة بعض الأجزاء منها، لم يحالف الحظّ صديقتي بلقاء حبيبها، ولكنّي أردت أن أكتب لها نهاية سعيدة على الورق، ومن هنا كانت روايتي الأولى “رغبات مهشّمة”.

إنّه لمن الظلم أن نقمع الحبّ حين يطرق القلب، ومن الظلم أن نقمع نفوسنا، ونخضع لتقاليد واهية، وكم يحوي مجتمعنا من نوعية هذا الظلم، حيث الزوج الذي يعيش على هواه، ولا أحد يحاسبه، ويحقّ له ما لا يحقّ للمرأة، فهو مجتمع ذكوريّ الوجه واليد واللسان، ويعيب على المرأة خفقان القلب.�إنّ احتلال القلوب أقوى من احتلال البلدان، وتحرير مدينة أسهل بكثير من تحرير قلب احتلّه العشق.

وتتساءل المؤلفة لست أدري مدى نجاحي في هذه الرواية، ولكنّي مقتنعة أنّ فيها بعض الثغرات التي ترافق الرواية الأولى لكلّ مبدع، ولا بدّ أن أتعرّف إلى هذه الثغرات من خلال ردود أفعال القرّاء والنقّاد مع الأيام، ولا بدّ أن أستفيد من هذه التجربة مهما كان حظّها، في رواية قادمة، وكما قال الشاعر: وعليّ أنْ أسعى وليسَ عليَّ إدراكُ النّجاحِ.