وتسلط “سكاي نيوز عربية” الضوء أكثر في هذا التقرير على جذور العقلية الإيرانية، التي تقف وراء دعم الإرهاب والجماعات المتطرفة في المنطقة فضلا عن نشره الفوضى والدمار، وزعزعة استقرار المنطقة.

وقال مفكرون وخبراء في التقرير، إن إيران تعمل بشكل ممنهج وبشكل متواز على زرع الفكر الإمبراطوري في ذهن مواطنيها من صغرهم، كما عملت على تحقير الآخر والحط من شأنه، ولا سيما العرب، واعتبارهم تابعين للإمبراطورية الإيرانية المزعومة، ووضعت الأسس القانونية والدستورية التي تسوغ احتلال الدول المجاورة.

ويقول الخبير في الشأن الإيراني، الدكتور نبيل العتوم، في حديث إلى موقع “سكاي نيوز عربية” إن “منطق العقلية الإيرانية الرافض لاستقرار المنطقة يندرج وفق مجموعة من السياقات، فإيران تميل إلى الفكر الإمبراطوري وإحياء أمجاد الإمبراطورية الفارسية، حيث تقوم بتدريس أسس هذه الإمبراطورية من خلال الكتب المدرسية”.

فكرة خطيرة جدا

 وأضاف “في محاولة بسيطة قمت بها لتحليل الكتب المدرسية وصور الدول العربية وخاصة دول مجلس التعاون الخليجي فيها، حيث يتم تدريس الطالب الإيراني فكرة خطيرة جدا، مفادها أن كل ما يقع في منطقة الخليج العربي من دول ومن جزر كان في يوم من الأيام يتبع للإمبراطورية الفارسية وينبغي أن يعود إلى الوطن الأم”.

وتابع العتوم أن إيران جسدت عقلية التوسع هذه أيضا في الأطر الدستورية والقانونية الإيرانية، فالمادة الخامسة من الدستور الإيراني تنص على أن الولي الفقيه والدولة الإيرانية يمهدان لما يعرف بـ” إمام الزمان، وبالتالي تكون الدولة الإيرانية الحالية مؤقتة، وحدودها الجغرافية مؤقتة.

وطبقا لهذا المنطق، فإن على الدولة الإيرانية تهيئة الظروف لعودة إمام الزمان، وذلك عبر تقوية أجهزتها من ناحية، وامتلاك عناصر القوة، وضمان السيطرة على الدول المجاورة لإيران، وهذا لن يتم دون نشر العنف والميليشيات والجيوش الموازية.

وتابع الخبير في الشأن الإيراني، أن “هذا ما نجده من خلال استغلال إيران للأزمات الإقليمية، والسعي إلى تدمير الكيانات العربية، لأنها تعتبر الدول العربية مصطنعة، ينبغي الإطاحة بها، واعتبار الأنظمة العربية طاغية وكافرة ولا تحمل الإسلام الحقيقي، وأن هدف إيران من احتلال هذه الدول هو نشر الإسلام الحقيقي”.

ولفت نبيل العتوم إلى كتاب “مقولات في الاستراتيجية الوطنية الإيرانية.. نظرية أم القرى الشيعية”، الذي يعتبر أن إيران “هي أم قرى العالم الإسلامي ومركزه ونواته، وبالتالي ينبغي السيطرة والهيمنة على الدول المحيطة بإيران واحتلالها كافة، حتى تشكل  أحد “مصدات” الدفاع عن الإمبراطورية الإيرانية، إذن إيران تتوسل في الفكر الإمبراطوري والأفكار القومية وبالمذهب الشيعي لتحقيق شرعية هذه الإمبراطوري”.

 ومن جهته، يقول مدير المركز الأحوازي للإعلام والدراسات الاستراتيجية، حسن راضي، في حديث لموقع “سكاي نيوز عربية” أن مشروع إيران التوسعي منذ عشرات السنوات، يختفي وراء شعارات زائفة مثل الدفاع عن القضية الفلسطينية ونصرة المستضعفين أو التدخل العسكري نظرا لوجود دعوات من حكومات عربية.

 ورأى راضي أن المشروع الإيراني له بعدان، هما قومي، إذ يزعمون في النظام الإيراني أن الإمبراطورية الفارسية دمرت بعد دخول الإسلام إلى إيران على يد العرب.

والثاني هو بعد طائفي، إذ يعتقد مرشد النظام خامنئي أن الطائفة الصحيحة في الإسلام هي الشيعة، وأنه هو من يجب أن يحكم العالم الإسلامي، معتبرا أن هذه مجرد  دعوى يحاول فيها النظام أن يبرر سيطرته وتوسعه، بحسب راضي.

 مواجهة الانكماش بالفوضى

ويقول رئيس تحرير مجلة مختارات إيرانية في القاهرة، محمد عباس ناجي، إن هناك مجموعة من العوامل التي تفسر رغبة إيران في نشر الفوضى في المنطقة وعدم التعايش مع  الاستقرار.

وأضاف ناجي في حديث إلى موقع “سكاي نيوز  عربية”، أن هناك إحساسا تاريخيا بالانكماش في إيران، فبعد أن كانت إمبراطورية في وسط آسيا تاريخيا، باتت تتقلص داخل حدود نتيجة عوامل خارجية.

وأوضح أن إيران تحارب هذه الشعور عبر التمدد خارج حدودها، وليس عبر الاحتلال الكلاسيكي، بل عبر دعم المنظمات الإرهابية والطائفية في المنطقة، أو ما يعرف بالفاعلين غير الدوليين.

وأشار إلى الجماعات التي تدعمها طهران في باكستان وأفغانستان والعراق ولبنان، وضرب مثل بميليشيات “زينبيون” و”فاطميون” التي تم جلبها من دول آسيوية بغرض القتال في الحرب الأهلية بسوريا.

أما راضي فأشار إلى تصريحات مسؤولين إيرانيين تظهر الشغف الكبير بالإمبراطورية، مثل القول إن العراق عاد للإمبراطورية الفارسية، وأن سوريا أصبحت المحافظة الـ 35 في سوريا.

وشدد على أن الخطة الخمسية التي تسربت بشأن نوايا إيران للسيطرة على المنطقة، تظهر أن الفوضى جزء أساسي للسيطرة على المنطقة، فعبرها يمكنها التدخل  والحصول على موطئ قدم.

وفكرة الهيمنة قديمة في العقلية الإيرانية، ويحاول النظام الإيراني الحالي تعميق الأفكار المتصلة بالإمبراطورية الفارسية القديمة في الكتب المدرسية، وفق العتوم الذي أشار إلى أن نظام الملالي يحاول تعظيم الشخصيات المحورية التي كان لها دور مهم في توسيع الإمبراطورية الفارسية، وفق العتوم.

 “الفتوحات الإسلامية غزو”

 وفي المقابل، يتم إبراز العداء للعرب، على اعتبار أنهم هم من قاموا بتحطيم الإمبراطورية الفارسية القديمة.

 وتطلق إيران على الفتوحات الإسلامية مصطلحات من قبيل “غزو” و”اجتياح” وتحديدا مصطلح “الاجتياح المدمر” على الفتوحات الإسلامية، وتعتبر بأن العرب هم من غزوا ودمروا حضارتها، بحسب الخبير في الشأن الإيراني.

 ولفت العتوم إلى كتاب “قرنين من الصمت” في إيران، مفاده أن حدث أن الحضارة الإسلامية التي فتحت بلاد فارس أدت إلى انهيار وركود وتراجع، واتهموا العرب خلال سيطرتهم لمدة 200 عام على إيران، كانت كفيلة بتدمير الحضارة الفارسية. حسب زعمهم.

 وشدد العتوم على أن إيران تحاول دوما أن تعلي من شأن قادة الفرس القدماء، ويجسدون ذلك من خلال إطلاق أسماء هؤلاء على الشوارع والمتاحف والمنشآت الحيوية.

وقال إنه حلل صورة العرب في المناهج المدرسية منذ الصف الأول حتى مرحلة ما قبل الدراسة الجامعية، وأصدر ذلك في كتاب ” صورة العرب في الكتب المدرسية الإيرانية”.

 وأوضح أن صورة العربي في هذه المناهج إنسان بدائي، وسخ، ليس لديه حضارة، ليس لديه ثقافة، ويصور على أن ملابسه دائمة رثة، ويطلق عليه أقبح الصفات، مثل الجبان والمتخاذل والمتآمر وأصحاب الجاهلية الأولى، التي كانت زمن بعثة الرسول. 

وشدد على أن صورة العرب في السينما والصحافة والمسرح والنشيد الحماسي والأمثال والحكم الشعبية في إيران، للأسف كلها تنم عن استهزاء  واستحقار للعرب.

“اقتل عربيا”

وفي أغنية بعنوان “اقتل عربيا” باللغة الفارسية شاهدها أكثر من 31 مليون شخص، وإذا كانت إيران لا تريد انتشار هذه الأغنية لحظرتها، لكن لا تفوت أي مناسبة للحط من شأن العرب، بحسب العتوم.

وتحدث العتوم الذي درس في إيران عن احتقار الإيرانيين للغة العربية، وقال إن لديهم فكر الاستعلاء في هذا الأمر، فيقولون مثلا إن  اللغة العربية تتكون من 28 حرفا والفارسية من 32 حرفا.

ولعبت ولاية الفقيه دورا في ترسيخ فكرة الهيمنة والتقليل من شأن العرب، فعندما زار أول وفد عربي بعد نجاح الثورة في عام 1979 إيران، وكان حينها زعيم منظمة التحرير، الراحل ياسر عرفات، طلب مرشد الثورة حينها، الخميني، مترجما للحديث مع عرفات، رافضا الحديث باللغة العربية.

ولم يكن نظام الملالي أقل عنصرية ضد العرب، فحارب اللغة العربية بعد الثورة، ولا يتم حاليا تدريس اللغة العربية في إيران إلا  في المرحلة المتوسطة، لكن تكره إليهم العربية بسبب أسلوب التدريس، وفق العتوم.

وحتى المسؤولين الإيرانيين من الأصول العربية، فهم لا يتحدثون باللغة العربية، مثل علي شامخاني، أمين عام المجلس الأمن القومي الإيراني، رغم أنه عربي من الأحواز.

ولعبت ولاية الفقيه على ما يعرف في “تفريس” الثقافة الإيرانية بكل شيء، مثل تغيير الأسماء العربية إلى الأسماء الفارسية، حتى أنها حذفوا “بسم الله الرحمن الرحيم” من المخاطبات الرسمية.

وكان النظام البهلوي في إيران قبل ثورة عام 1979 احتل العديد من المناطق مثل الأحواز وبلوشستان ومناطق الأكراد وغيرها، والأمر لم يتغير بعد الثورة، إذ ظلت إيران على نفس النهج.

فكرة “التفوق الفارسي”

ورأى أيضا أن هناك أساسا آخر، فالفارسي يشعر بالتمايز والتفوق على الآخرين، كما أن هناك نزع قومية حادة داخل إيران.

 ورغم ادعاء التسامح بين مكونات المجتمع الإيراني، إلا أن النظام غير قادر على استيعاب الشعوب غير الفارسية، التي تتعرض للإقصاء والتهميش، مثل العرب والأكراد والأذريين.

 ولفت إلى الأزمة التي اندلعت مع المكون الأذري عام 2006، عندما نشرت صحيفة إيرانية كاريكاتيرا  يشبه هؤلاء بالصراصير.

وأشار إلى تحقيق كل ما هو غير فارسي، في الثقافة الإيرانية، الأمر الذي أدى إلى خلق حالة من التمرد في صفوف الأكراد، فأصبح هناك مجموعات مسلحة تقاتل النظام.

 وهناك حالة توتر بين طهران والسكان العرب في منطقة الأحواز، فرغم أنها المنطقة الأغلى بالموارد الطبيعية، إلا أن سكانها يعانون من إفقار متعمد من جانب النظام.

ويتحلى توظيف فكرة الإمبراطورية الفارسية القديمة في وسط آسيا، في باكستان وأفغانستان وتحاول مد نفوذها هناك، وحتى جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق، التي طالبت طهران بضمها، لمجرد أنها كانت يوما تحت حكم الامبراطورية الفارسية.

 ويرى عباس ناجي أن الشكل تغير في عهد الشاه عنه في عهد الثورة، التي تريد بسط الهيمنة على المنطقة، باعتبار أنها “المجال الحيوي” لإيران.