مستقبل أوروبا الأمني بين مشاكل الغربه والتطرّف والإرهاب

يوسف عبد القادر – بلجيكا
حاورت اهرام اليوم الدولية هاتفيا من عاصمة الأتحاد الأوروبى الدكتور عبد الكريم عتوك فى برشلونة – اسبانيا
من أصول مغربيه ومستشار أمني وخبير علوم الإجرام ومكافحة الإرهاب والجماعات المتطرفة عن مستقبل أوروبا الأمني بين مشاكل الغربه والتطرّف والإرهاب
ما هو مفهوم الإغتراب وأبعاده؟
قد يجد المرء نفسه في وقت ما ولظرف ما ، محاصرًا بظروف صعبه وضيق الحال ، تدفعه إلى الرحيل بعيدا عن الأهل والوطن ، والإنخراط في دوامة من العزلة والإغتراب . وعندما نتكلم هنا عن الإغتراب ، فإننا نعني تلك الحالة السيكوإجتماعية للإنسان عندما يكون غريبًا ، بعيدًا عن وطنه وأهله وعاداته وما يترتب عن ذلك من أنواع السّلوك الإجتماعي من توثّر واكتئاب نفسي ، تمرد و صراعات داخلية تحل بالفرد ، وخارجية بينه وبين الآخرين نتيجة اغترابه عن ذاته وعن مجتمعه وعن وسائل الإنتاج ، طالما أنّه لا يستطيع الوصول إلى الإستقرار والرّضى و السعادة في عمله واحيانا فى عدم مقدرته للحصول على عمل بسبب عوائق اللغة التى يكون مجبرا إن يتعلمها ، الشيء الذي يؤدي به أيضاً إلى المزيد من الإضطرابات النفسية لإنه لم يحصل على ما كان يتوقعه إلى بلاد المهجر.
ما هو خطر صعود اليمين المتطرّف بأوروبا ؟
أمام تصاعد خطابات الكراهية ضد المسلمين بأوروبا ، من جانب اليمين المتطرّف بشكل عام ، وبسبب عامل الإرهاب منذ الأحداث الإرهابية لفرنسا مرورا ببلجيكا و ألمانيا و دول أوروبية أخرى ، وحيث أن أوروبا تشعر اليوم أنها مهددة أكثر مما مضى ، وكون هذا التهديد سيصيب النّمو الديموغرافي بها و الأكثر من ذلك مشكل الهوية الأوروربية المسيحية الموجودة في خطر بسبب فكرة أن الإسلام لا يمكن أن يتوافق و يتعايش مع القيم الغربية و أنماط الحياة الأوروبية .
فمنذ موجة الهجرة المكثفة التي غزت أوروبا مع مطلع سنة ألفين وخمسة عشر، اصبح هناك معطيات جعلت هذه الأحزاب اليمينية المتطرّفة موضوع الأجانب ، الهجرة ، وخصوصا الإسلام ، الحّصان الذي تمتطيه من أجل اجتذاب الشّعبوية و حشْدِ المزاج العام لصالحها للوصول إلى السّلطة ، وهي ظاهرة خطيرة للغاية وسياسة عنصرية أصبحت بالنسبة للمتطرّفين اليمينيين بمثابة أرضية يعتمد عليها في تحامله على الأديان و الأعراق المختلفة.
ربع الفرنسيين يأيّدون الحزب اليميني المتطرّف حزب الجبهة الوطنية الذي يعمل على إفزاع المواطنين ، وشدّهم لقضايا الهويّة الوطنية والخوف من الغريب و المهاجر ، وعدم الثّقة بالاتحاد الأوروبي ، أما فى بريطانيا فتقدم حزب الإستقلال المناهض للوحدة الأوروبية ، وحقق مكاسب فى ويلز و اسكتلاندا أيضا ، و فى إيطاليا برز حزب “رابطة الشمال لاستقلال بادانيا” اليميني الفاشي المعروف بنزعته العنصرية وعداوته للمهاجرين بزعامه ماتيو سالفيني المتطرف على غرار إخوته في الفكر والتوجه الأيديولوجي فيلدرز في هولندا ومارين لوبان في فرنسا و يورغ مويتن زعيم حزب “البديل من أجل ألمانيا “، في حين ظهر الحزب السّياسي الإسباني لأقصى اليمين المتطرّف إسبانيا ألفين بأواخر سنة ألفين وإثنان والذي يصنف بالحزب الرّاديكالي اليميني المتطرّف ، المتميز خطابه بالقومية الإسبانية، والحزب الجديد الصغير لليمينيين المتطرّفين الإسبان فوكس المنبعث سنة ألفين و ثلاثة عشر من قلب اقليم الاندلس الاقليم الأكثر عنصرية اتجاه العرب و المسلمين ألاندلس بإسبانيا ، حزبٌ متطرّف متعصّب والأشد عداءا للمسلمين والمهاجرين بشكل عام من خلال برامجه و مخططاته العدائية والمتجلية في تصريحاته الرّسمية ؛ ( الخطر الكبير لأوروبا ، الخطر الكبير لإسبانيا ، هو الغزو الإسلامي ) فباسم القومية والوطن استطاع التّأثير على الإسبان من لاشيء ، واقتحم المؤتمر بأربعة وعشرين مقعدًا وإثنان فاصلة ستة مليون صوتًا وهو أمر مخطط له و ليس بمحض الصدفة .
إن تجدّد و تكرّر العمليات الإرهابية بالبلدان الأوروبية يأثّر و يهدّد التعايش السلمى ، و يؤدّي بلا شكٍّ الى استقواء الشّعور العنصري لهذه الأحزاب المتطرفّة من جهة ، و خلق استياء عام و سخط سياسي بين الشباب المغترب و الأوروبي من أصول مسلمة من جهة أخرى ، و إلى صعوبة في التكيّف مع المجتمع المحتضن ، نتيجة سياسات التّهميش والإقصاء التي تمارس في حقهم من هذه الأحزاب المتطرفة الحاكمة بأوروبا ، ناهيك عن عدم احترام خصوصياتهم الثّقافية ، اللّغوية الدينية و العرقية ، وفشل سياسات إدماج المهاجرين .
لماذا الإقصاء والتّهميش الإجتماعي يشجع على انتشار العنف والإرهاب ؟
في مناخ يسوده كثرة الفراغ والوقت الضائع ، وأشخاص متقدمون لشغل وظائف كثيرة من المسلمين والعرب بحظوظ أقل بأربع مرات من غيرهم للحصول على عمل ، وايضا مناخ به فرص تعليمية ومهنية غير متكافئة ، إقصاء إجتماعي ، ومشاكل العيش في دولة الرفاهيه في ظل اللاّمساواة ، و استبعاد و تغييب حاصل في الإندماج ، فإن اغتراب المواطنين عن الحياة السياسية أو عن الحياة الإجتماعية معناه الدخول في حالة من الإنعزال والتراجع من ، حالة يقتنع فيها الفرد بأنه يعيش في غربة محكمة عن مجتمعه الجديد ، الشيء الذي يؤدي إلى القطيعة معه والتبرم من قيمه ، والتقوقع داخل جماعات صغيرة تتبنى فكرًا متطرفًا يشجع على الكراهية و نبذ الإخر .
إذا كان قانون الفيزياء يقول : ( إن الضّغط يُولّد الإنفجار ) ، فقانون علم الإجتماع يقر على أن الإقصاء ، التّهميش ، اللّامساواة ، العنصرية والظّلم الإجتماعي يؤديان إلى الغليان والسقوط في فخ التطرّف.

إما في السّجن نتيجة تمرير الفكر التكفيري عن طريق وسطاء أو التجنيد عبر الإنترنت ، وهو أمر خطير ووارد يشجع على تفشي الجرائم وانتشار الإرهاب .

الشّباب الذين اتّجهوا إلى التطرّف ، في الغالب هم شباب أبصروا النور وترعرعوا في بلدان أوروبا وحملوا جنسياتها على اختلافها ، لكن لم يعد لديهم إيمانا بالمجتمع الذي يعيشون فيه من جهة ، ولم يستطيعوا تكوين علاقات جيدة مع أصحاب البلد الاصليين ، بل اكتفوا فقط بالإلتفاف حول أبناء وطنهم الموجودين في دول الإغتراب من جهةٍ أخرى ، ينقلون إليهم أفكارهم و معتقداتهم المتطرّفة .

فإحـسـاس سكان الضّواحي بالتّهميش والتّغييب ، و على أنهم هم قوم غير مرغوب فيهم وأًنهم من الدرجة الثانية ، أدّى بهم إلى الشّعور بالضّيق والحيرة وعدم الوضوح والتناقض ، يظهر على هيئة توثّر واستعداد كبير للإنفجار ، و إلى التّفكير في نشوة القتل والمغامرة والذهاب حيث جبهات الجهاد . فمنهم من سافر مع المقاتلين صوْب أفغانستان ، سوريا، العراق أو ليبيا للخروج من المأزق أو إلى التوحّد مع جماعة أو تنظيم إرهابي .

ما هى إشكالية الأرضية الخصبة للتطرّف والإرهاب فى فرنسا ؟
تعتبر فرنسا من أكثر الدول التي تستهوي المسلمين للهجرة إليها ، خاصة المتمركزين جغرافيا في الضفّة المتوسطية الجنوبية والمغرب العربي، ويعيش في فرنسا أزيد من خمسة ملايين مسلم يعدّون أكبر تجمع للمسلمين في أوروبا، كما يشكل المسلمون أقلية دينية تعد الثانية من حيث النسبة المئوية في أوربا بعد الدّيانة المسيحية ، مع وجود ما بين خمسة عشرة ألف إلى ستة عشرة ألف متطرّف في فرنسا ، منهم خمسة آلاف وثلاث مائة وخمسة وعشرون شخصا يعيشون في منطقة باريس وضواحيها كضاحية « سان دوني » وغيرها .
وعلى غِرار حي “ البْرِينسِيبِي” الشّهير بضواحي مدينة سبتة المحتلة بإسبانيا ، وحي “ مُولِنبييكْ ” الواقع بإحدى ضواحي بروكسيل العاصمة البلجيكية ، تبقى الدائرة الثامنة عشرة في باريس ، جهة شارع بُولفارْ بَارْبِيص والتي توصف بـالسّاخنة والملتهبة والتي تعتبر الملاذ الأول الحاضن للعصابات المسلّحة والتي تتاجر في المخدرات و تفرض قانونها الخاص داخل شوارعها ، مما يصعب عملية اقتحامها من طرف الأجهزة الأمنية الفرنسية ، لكونها مناطق أكثر احتواءا للمتطرّفين ولاشخاص لديهم تدني في مستوى الثقافة والمعرفة أو التعليم ، ابتداءًا من المنحرفين الخارجين عن القانون ، إلى اللّصوص ، وأصحاب السّوابق من السّجناء صغار السّن التّائهين مرورا بالمجرمين وعصابات تهريب وتزوير الوثائق الرّسمية إلى المتشدّدين التّكفيريين فعندما يلتقي متطرّفون ذوي خبرة في فن الخطابة و الإقناع ، مع هذه المادة الخامّة و هذا التشكيل من المجرمين و الفاشلين في الحياة فطبيعي أن يسهل الإستقطاب و الإجتذاب ، ليرتمي الشّباب بين أحضان التّنظيمات الإرهابية ظنًا منه أنها النّموذج المُلهم والمخلّص لهم من معانات الإغتراب و فقدان الذّات .
وما علاقة الغربه بالإرهاب ؟

العلاقة بين التطرّف والإرهاب ، هي علاقة إحساسٍ نفسيٍ بالغربة والإغتراب ، ونزوع سلوكي بالقوة ، فكلّ متطرّف هو كم هائل من المشاعر المكبوتة الناجمة عن غرابة الإنتماء أو إنفصام الذّات عن المجتمع ، هو كذلك عبارة عن قنبلةٍ موقوتةٍ ، ومشروع إرهابي مؤجل للشحن من طرف شيوخ الفتنة و منظّري الفكر السّلفي التّكفيري ، بانتظار إيجاد الظّروف الملائمة و الوسائل المتاحة للإنفجار في وجه المجتمع. فجاذبية الخطاب الإعلامي المتطرّف تأجّج النّفوس الضّعيفة ، و وسائل التّواصل أَرْضٌ خِصْبَةٌ تخدمُ الإرهاب ، و مشاكل الإغتراب تزيد الطِّين بلّة ، وتُساهم في صناعة الإرهابي .

وما هى الحلول المقترحة و دورالنّخب العربية والجاليات المسلمة بأوروبا :

كل المخاوف الآن ممكنةُ ، فأوروبا ستصبح أكثر استهدافًا و تهديدًا بالإرهاب كتبعيات لفوز هذه الأحزاب المتطرّفة ، ليس هناك حلول آنية ، بل هناك حلول طويلة المدى ذاتُ طبيعة تربوية ، تعليمية واجتماعية ، الأهمّ أن مستقبل أوروبا الأمني رهينٌ بنبذ الفِكر المتطرّف كيفما كان أصله ، وتغييب الممارسات العنصرية ، وتوعية الجاليات على اختلافها ، ( النّخب العربية والجاليات المسلمة …إلخ ) بأن لها دورا مهما على عاتقها داخل المجتمع المدني يتجلى في صياغة آليات تحقيق التسامح والتعايش والإندماج داخل المجتمعات الأوروبية ودعم جهود التنسيق والتّكافل والتعاون بين أبناء الجاليات العربية والمسلمة بعضهم البعض وبين المجتمع الأوروبي ، وتصحيح صورة الإسلام بالغرب و إعطاء صورةٍ إيجابيةٍ لأهلية الإنسان المسلم لاحتلال مكان الصّدارة .

النُّخب معنية بمدّ جسور التّواصل مع أبناء جالياتنا في المهجر، والمساهمة في إبراز النماذج الناجحة من أبناء الجاليات العربية في كافة المجالات والتعريف بهم ، وتغيير القِيم و السّلوكيات الخاطئة للأفراد مع دمجهم في هذه المجتمعات الغربية وعدم السّماح بالتّضييق عليهم و التّمييز في فرص العمل ، التعليم والسّكن ، وفتح الباب أمامهم لكي يندمجون بشكل تام .

من إحدى الأساليب الفعّالة في مكافحة التطرّف الفكري و تحصين المجتمع ، دعم التبادل الثّقافي بين الثقافات ،و إدخال أسلوب تعليمي وقائي لتعزيز دور التعليم في استراتيجيات مكافحة التطرّف الديني والفكري ، وذلك بإدخال وتدريس مادة الوقاية من الجريمة بالمناهج التدريبية عن طريق أطر من الأجهزة الأمنية ، بغرض خلق نوع من الوِدِّ بين الطلاّب من جهةٍ باعتبارهم يمثلّون المجتمع المدني ، و رجال الأمن من جهة ثانية باعتبارهم الجهاز التنفيذى للقانون .

وماذا عن عودة الإرهابيين إلى أوروبا ؟

موضوع عودة الإرهابيين من سوريا العراق و ليبيا إلى أوروبا وخطر تراخي العدالة في إصدار أحكام صارمه عليهم ، هو موضوع ينطوي على مخاطر أمنية يجب البثّ فيه بجدية ، وبالتالي إدانتهم بأحكام وعقوبات قاسية ، فمن الخطأ أن فرنسا بعد معارضتها الطويلة لهذه العودة رحّبت بحوالي مائة وثلاثين مواطنا على أراضيها .

وفى النهاية يبقى الإرهاب ظاهرة عالمية قديمة لا دين له ولا وطن ، قد تتغير أشكاله وأساليبه بتغيير الزمان والمكان ، لكنه يظلّ دائما مرتبطا بالإنسان أيا من كان ، و أيا ما كانت عقيدته أو ملته أو مذهبه الفكري ، ومن الخطأ نسبته إلى دين دون آخر.

تعليقات الفيس بوك
لا يوجود كلمات دليلية لهذه المقالة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.

Share via