( نفحات من الماضي )


0 63

متابعة / ابراهيم الدهش

كان يا ما كان ، عبارة جميلة ترددها
أمهاتنا كمقدمة لكل حكاية خيالية او قريبة من الواقع تحكى لنا في الليل اثناء الخلود إلى النوم عندما كنا صغارا في الصفوف الأولية من مراحل الدراسة الأبتدائية لكي نصحو مبكرا وخاصة عندما يكون الدوام ( صبحي !! ) هذه هي المفردة التي ما زلنا نتداولها عندما يكون الدوام صباحي ، في نفس الوقت الذي كان الطربوش و قطتي والبلبل الفتان و بصحبة البزاز و الزورق من أهم دروس كتاب قراءتي . في وقتها كانت محفوظة ( العِيِدُ ) ، التي لا نلفظها إلا محركهة ؟؟ وخاصة في نهايتها عند حرف الدال بعد وضع الضمة في نهاية الكلمة واثناء القراءة .. والجميل ايضا، نجد انفسنا من خلال المتابعة كانما في احد ايام العيد . . والسبب يكمن ، اما لسهولة مفردات المخفوظة او لبساطة الجمل و ربما لطيبة وخلق معلم اللغة العربية و حنانه الابوي . لذلك كنا نحفظها وبسهولة عن ظهر قلب و دون تكلف ، والى يومنا هذا هنالك من يتغنى بها ويستذكر ذلك الماضي الجميل المفعم بالطيبة والنقاء والخالي من الهموم والآهات .. والشوائب ، نرددها في الصغر صباحا ومساءا من البيت الى المدرسة وبالعكس ، في الشارع وعند الازقة و ( الدرابين ) الطريق بين الأزقة القديمة ( المَحَله ) ، رافعين رؤوسنا الى الاعلى ونطيل النظر و بتمعن الى بيوت ( المَحَله ) ( المنطقة ) ونحسبها بيتاً بيت ، وبعض الاحيان نجمع تلك البيوت ونستذكر من خلالها ماحفظناه من درس القراءة في موضوع دار داران دور .. تعلمنا قواعد اللغة العربية الصحيحة وقاعدة احترام الاخر رافعين راية تطبيق الحديث النبوي الشريف ( أحترام الكبير والعطف على الصغير ) على ارض الواقع ، ونحن في الصف الاول و الثاني والثالث الابتدائي .. ورغم جمالية تلك الفترة و التعايش اليومي مع درس القراءة ، كنا نخاف من درس الاملاء ورغم ذلك الخوف والرهبة تعلمنا الخط السليم و حفظ المفردات والحروف الصعبة ، وأصبحنا نميز مابين التاء ( المربوطة ) والمفتوحة والضاد اخت الصاد او الطاء والهمزة عكس ما نقرأ اليوم في كتابات البعض وخاصة من هذا الجيل رغم وصولهم إلى مراحل متقدمة من الدرلسة والسبب يكمن ليس فقط عند هؤلاء الطلبة ولكن الجميع يشترك في تحمل مسؤلية الإخفاق . اما من اسباب نجاح التلاميذ وحفظهم لدروسهم هو شخص المعلم اي معلم اللغة العربية في تلك الفترة حيث يمتاز بشخصية قوية وشديد في تعامله مع التلاميذ اضافة الى عطفه الابوي وحنانه ، وهذه الميزة للاسف لم تتوفر الان ، لذلك نستذكره بطيب ، فاذا كان من الأحياء والتقينا به صُدفة و دون لقاء مسبق ، فاننا نهابه ونحترمه في آن واحد وكاننا تلاميذ لحد الان ، وقد نترحم عليه اذا فارق الحياة عندما نسترجع شريط ذكريات الماضي الجميل ، اما أجمل ما في درس الاملاء هو عند تصحيح الدفاتر الاملائية ، حيث كان لكل مادة دفتر مخصص للواجب البيتي والمدرسي ، وأثناء توزيع الدفاتر الإملائية وعند سماعنا بدرجة ثمانية من عشرة او تسعة من عشرة ، نفرح ونتراقص بهدوء كطيور الجنة وشهقاتنا و زفراتنا تخرج بسرعة من شدة الفرح ، وقبل أن ينطق المعلم باعلى صوته في حالة تصحيح المفردات لأحد التلاميذ دون خطأ بمعنى الدرجة عشرة من عشرة وبعد ان يلفظها المعلم باعلى صوته يصبح هذا اليوم وكانه يوم عيد من أعياد ايام زمان !! ونخرج في ( الحَلة ) اي عند الخروج في نهاية الدوام نتسابق رافعين دفتر الاملاء وهو مفتوح والصفحة التي فيها التصحيح وكتابة العشرة نؤشر عليها باصبعينا مع توقيع معلمنا بجيد جدا او احسنت ، اما شعور الوالد في حينها فهو شعور لايوصف وكانه يحتفي بزواج ابنه البكر فيكرمنا بخمسة او عشرة فلوس وهي العملة النقدية التي نتعامل بها في تلك الفترة حيث كانت الدراهم والخمسة والعشرين والمئة او ماتسمى ( ميّة ) وايضا هما عملات معدنية متداولة . اما كراسة الخط العربي فلها الدور الاساسي في تحسين الخط رغم ان بعض معلمي اللغة العربية حين ذاك لا يعطيها اهميها حيث كان يعوضها في ممارسة الخط عندما يطلب منا كتابة درس القراة ثلاثة مرات او أربعة ..


اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.